تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إني عبد الله

[مريم: 30] ولم يقل: إني أنا الله، ولا ابن الله بل قال

إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا

[مريم: 30] وقال القرطبي: رد الله عليهم ذلك بحجة قاطعة مما يقرون به فقال ﴿ وقال المسيح يابني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم ﴾ فإذا كان المسيح يقول: يا رب، ويا ألله فكيف يدعو نفسه أم كيف يسألها؟ هذا محال ﴿ إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ﴾ أي من يعتقد بألوهية غير الله فلن يدخل الجنة أبدا لأنها دار الموحدين ﴿ ومأواه النار ﴾ أي مصيره نار جهنم ﴿ وما للظالمين من أنصار ﴾ أي فلا ناصر ولا منقذ له من عذاب الله ﴿ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ﴾ أي أحد ثلاثة آلهة وهذا قول فرقة من النصارى يسمون " النسطورية والملكانية " القائلين بالتثليث وهم يقولون: إن الإلهية مشتركة بين الله، وعيسى، ومريم وكل واحد من هؤلاء إله ولهذا اشتهر قولهم " الأب والإبن وروح القدس " ﴿ وما من إله إلا إله واحد ﴾ أي والحال أنه ليس في الوجود إلا إله واحد موصوف بالوحدانية متعال عن المثيل والنظير ﴿ وإن لم ينتهوا عما يقولون ﴾ أي وإن لم يكفوا عن القول بالتثليث ﴿ ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم ﴾ أي ليمسنهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة ﴿ أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه ﴾ الاستفهام للتوبيخ أي أفلا ينتهون عن تلك العقائد الزائفة والأقاويل الباطلة ويستغفرون الله مما نسبوه إليه من الاتحاد والحلول؟ ﴿ والله غفور رحيم ﴾ أي يغفر لهم ويرحمهم إن تابوا قال البيضاوي: وفي هذا الاستفهام ﴿ أفلا يتوبون ﴾ تعجيب من إصرارهم على الكفر ﴿ ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ﴾ أي ما المسيح إلا رسول كالرسل الخالية الذين تقدموه خصه الله تعالى ببعض الآيات الباهرات إظهارا لصدقه كما خص بعض الرسل، فإن أحيا الموتى على يده فقد أحيا العصا في يد موسى.

وجعلت حية تسعى وهو أعجب، وإن خلق من غير أب فقد خلق آدم من غير أب ولا أم وهو أغرب، وكل ذلك من جنابه عز وجل وإنما موسى وعيسى مظاهر شئونه وأفعاله ﴿ وأمه صديقة ﴾ أي مبالغة في الصدق ﴿ كانا يأكلان الطعام ﴾ أي أنه مخلوق كسائر المخلوقين مركب من عظم ولحم وعروق وأعصاب وفيه إشارة لطيفة إلى أن من يأكل الطعام لا بد أن يكون في حاجة إلى إخراجه ومن يكن هذا حاله فكيف يعبد، أو كيف يتوهم أنه إله؟ ﴿ انظر كيف نبين لهم الآيات ﴾ تعجيب من حال الذين يدعون ألوهيته هو وأمه أي أنظر كيف نوضح لهم الآيات الباهرة على بطلان ما اعتقدوه ﴿ ثم انظر أنى يؤفكون ﴾ أي كيف يصرفون عن استماع الحق وتأمله بعد هذا البيان مع أنه أوضح من الشمس في رابعة النهار ﴿ قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا ﴾ أي قل يا محمد أتوجهون عبادتكم الى من لا يقدر لكم على النفع والضر؟ ﴿ والله هو السميع العليم ﴾ أي السميع لأقوالكم العليم بأحوالكم وتضمنت الآية الإنكار عليهم حيث عبدوا من هو متصف بالعجز عن دفع ضر أو جلب نفع ﴿ قل يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ﴾ أي يا معشر اليهود والنصارى لا تتجاوزوا الحد في دينكم وتفرطوا كما أفرط أسلافكم فتقولوا عن عيسى إنه إله أو ابن إله قال القرطبي: وغلو اليهود قولهم في عيسى إنه ليس ولد رشدة - أي هو ابن زنا - وغلو النصارى قولهم إنه إله ﴿ ولا تتبعوا أهوآء قوم قد ضلوا من قبل ﴾ أي لا تتبعوا أسلافكم وأئمتكم الذين كانوا على الضلال قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وأضلوا كثيرا ﴾ أي أضلوا كثيرا من الخلق بإغوائهم لهم ﴿ وضلوا عن سوآء السبيل ﴾ أي ضلوا عن الطريق الواضح المستقيم قال القرطبي: وتكرير ضلوا للإشارة إلى أنهم ضلوا من قبل وضلوا من بعد، والمراد الأسلاف الذين سنوا الضلالة وعملوا بها من رؤساء اليهود والنصارى ﴿ لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ﴾ أي لعنهم الله عز وجل في الزبور، والإنجيل قال ابن عباس: لعنوا بكل لسان، لعنوا على عهد موسى في التوراة، وعلى عهد داود في الزبور، وعلى عهد عيسى في الإنجيل وعلى عهد محمد في القرآن قال المفسرون: إن اليهود لما اعتدوا في السبت دعا عليهم داود فمسخهم الله قردة، وأصحاب المائدة لما كفروا بعيسى دعا عليهم عيسى فمسخوا خنازير ﴿ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ﴾ أي ذلك اللعن بسبب عصيانهم واعتدائهم، ثم بين تعالى حالهم الشنيع فقال ﴿ كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ﴾ أي لا ينهى بعضهم بعضا عن قبيح فعلوه ﴿ لبئس ما كانوا يفعلون ﴾ أي بئس شيئا فعلوه قال الزمخشري: تعجيب من سوء فعلهم مؤكد بالقسم فيا حسرتا على المسلمين في إعراضهم عن التناهي عن المنكر كأنه ليس من الإسلام في شيء مع ما يتلون من كتاب الله من المبالغات في هذا الباب وقال في البحر: وذلك أنهم جمعوا بين فعل المنكر، والتجاهر به، وعدم النهي عنه، والمعصية إذا فعلت ينبغي أن يستتر بها لحديث

صفوة التفاسير · الصفحة ١٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ١٩٨