تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال ابن عباس: لكل رتبة من الحرابة رتبة من العقاب فمن قتل قتل، ومن قتل وأخذ المال قتل وصلب، ومن اقتصر على أخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف، ومن أخاف فقط نفي من الأرض، وهذا قول الجمهور ﴿ إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ﴾ أي لكن الذين تابوا من المحاربين وقطاع الطريق قبل القدرة على أخذهم وعقوبتهم ﴿ فاعلموا أن الله غفور رحيم ﴾ أي واسع المغفرة والرحمة لمن تاب وأناب يقبل توبته ويغفر زلته، ثم أمر تعالى المؤمنين بالتقوى والعمل الصالح فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ﴾ أي خافوا عقابه واطلبوا ما يقربكم إليه من طاعته وعبادته قال قتادة: تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه ﴿ وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون ﴾ أي جاهدوا لإعلاء دينه لتفوزوا بنعيم الأبد ﴿ إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ﴾ أي لو كان لكل كافر جميع ما في الأرض من خيرات وأموال ومثله معه ﴿ ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم ﴾ أي وأراد أن يفتدي بها نفسه من عذاب الله ما نفعه ذلك وله عذاب مؤلم موجع ﴿ يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم ﴾ أي دائم لا ينقطع وفي الحديث

" يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدي به؟ فيقول نعم فيقال له: قد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك ألا تشرك بي فأبيت فيؤمر به إلى النار "

ثم ذكر تعالى عقوبة السارق فقال ﴿ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ﴾ أي كل من سرق رجلا كان أو امرأة فاقطعوا يده ﴿ جزآء بما كسبا ﴾ أي مجازاة لهما على فعلهما القبيح ﴿ نكالا من الله ﴾ أي عقوبة من الله ﴿ والله عزيز حكيم ﴾ أي حكيم في شرعه فلا يأمر بقطع اليد ظلما ﴿ فمن تاب من بعد ظلمه ﴾ أي رجع عن السرقة ﴿ وأصلح ﴾ أي أصلح سيرته وعمله ﴿ فإن الله يتوب عليه ﴾ أي يقبل توبته فلا يعذبه في الآخرة ﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ أي مبالغ في المغفرة والرحمة، ثم نبه تعالى على واسع ملكه وأنه لا معقب لحكمه فقال ﴿ ألم تعلم أن الله له ملك السموت والأرض ﴾ أي ألم تعلم أيها المخاطب أن الله تعالى له السلطان القاهر والملك الباهر وبيده ملكوت السماوات والأرض والاستفهام للتقرير ﴿ يعذب من يشآء ويغفر لمن يشآء والله على كل شيء قدير ﴾ أي يعذب من يشاء تعذيبه ويغفر لمن يشاء غفران ذنبه وهو القادر على كل شيء الذي لا يعجزه شيء.

البلاغة: 1- الطباق بين كلمة ﴿ قتل... وأحيا ﴾ وهو من المحسنات البديعية وكذلك بين ﴿ يعذب.. ويغفر ﴾.

2- ﴿ يحاربون الله ﴾ هو على حذف مضاف أي يحاربون أولياء الله لأن الله لا يحارب ولا يغالب فالكلام على سبيل المجاز.

3- الاستعارة ﴿ ومن أحياها ﴾ لأن المراد استبقاها ولم يتعرض لقتلها، وإحياء النفس بعد موتها لا يقدر عليه إلا الله تعالى.

4- ﴿ لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به ﴾ قال الزمخشري: هذا تمثيل للزوم العذاب لهم وأنه لا سبيل لهم إلى النجاة منه بوجه من الوجوه.

5- طباق السلب ﴿ لئن بسطت.. مآ أنا بباسط يدي ﴾.

الفوائد: الأولى: النفي من الأرض كما يكون بالطرد والإبعاد يكون بالحبس ولهذا قال مالك رحمه الله: النفي: السجن ينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها قال الشاعر وهو في السجن:

خرجنا عن الدنيا وعن وصل أهلها

فلسنا من الأحيا ولسنا من الموتى

إذا جاءنا السجان يوما لحاجة

عجبنا وقلنا: جاء هذا من الدنيا

الثانية: السر في تقديم السارق على السارقة هنا وتقديم الزانية على الزاني في قوله

الزانية والزاني فاجلدوا

[النور: 2] أن الرجل على السرقة أجرأ، والزنى من المرأة أشنع وأقبح فناسب ذكر كل منهما المقام.

الثالثة: قال الأصمعي: قرأت يوما هذه الآية ﴿ والسارق والسارقة ﴾ وإلى جنبي أعرابي فقلت

صفوة التفاسير · الصفحة ١٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ١٨٨