ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه
[آل عمران: 85] ﴿ فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم ﴾ أي فمن ألجأته الضرورة إلى تناول شيء من المحرمات المذكورة، في مجاعة حال كونه غير مائل إلى الإثم ولا متعمد لذلك، فإن الله لا يؤاخذه بأكله، لأن الضرورات تبيح المحظورات ﴿ يسألونك ماذآ أحل لهم ﴾ أي يسألونك يا محمد ما الذي أحل لهم من المطاعم والمآكل؟ ﴿ قل أحل لكم الطيبات ﴾ أي قل لهم أبيح لكم المستلذات وما ليس منها بخبيث، وحرم كل مستقذر كالخنافس والفئران وأشباهها ﴿ وما علمتم من الجوارح ﴾ أي وأحل لكم صيد ما علمتم من الجوارح وهي الكلاب ونحوها مما يصطاد به ﴿ مكلبين ﴾ أي معلمين للكلاب الاصطياد قال الزمخشري: المكلب مؤدب الجوارح ورائضها واشتقاقه من الكلب لأن التأديب أكثر ما يكون في الكلاب ﴿ تعلمونهن مما علمكم الله ﴾ أي تعلمونهن طرق الاصطياد وكيفية تحصيل الصيد، وهذا جزء مما علمه الله للإنسان ﴿ فكلوا ممآ أمسكن عليكم ﴾ أي فكلوا مما أمسكن لكم من الصيد إذا لم تأكل منه، فإن أكلت فلا يحل أكله لحديث
" إذا أرسلت كلبك المعلم فقتل فكل، وإذا أكل فلا تأكل فإنما أمسكه على نفسه "
وعلامة المعلم أن يسترسل إذا أرسل، وينزجر إذا زجر، وأن يمسك الصيد فلا يأكل منه، وأن يذكر اسم الله عند إرساله فهذه أربع شروط لصحة الأكل من صيد الكلب المعلم ﴿ واذكروا اسم الله عليه ﴾ أي عند إرساله ﴿ واتقوا الله إن الله سريع الحساب ﴾ أي راقبوا الله في أعمالكم فإنه سريع المجازاة للعباد ﴿ اليوم أحل لكم الطيبات ﴾ أي أبيح لكم المستلذات من الذبائح وغيرها ﴿ وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ﴾ أي ذبائح اليهود والنصارى حلال لكم ﴿ وطعامكم حل لهم ﴾ أي ذبائحكم حلال لهم فلا حرج أن تطعموهم وتبيعوه لهم ﴿ والمحصنات من المؤمنات ﴾ أي وأبيح لكم أيها المؤمنون زواج الحرائر العفيفات من المؤمنات ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ﴾ أي وزواج الحرائر من الكتابيات (يهوديات أو نصرانيات) وهذا رأي الجمهور وقال عطاء: قد أكثر الله المسلمات وإنما رخص لهم يومئذ ﴿ إذآ آتيتموهن أجورهن ﴾ أي إذا دفعتم لهن مهورهن ﴿ محصنين غير مسافحين ﴾ أي حال كونكم أعفاء بالنكاح غير مجاهرين بالزنى ﴿ ولا متخذي أخدان ﴾ أي وغير متخذين عشيقات وصديقات تزنون بهن سرا قال الطبري: المعنى ولا منفردا ببغية قد خادنها وخادنته واتخذها لنفسه صديقة يفجر بها ﴿ ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين ﴾ أي ومن يرتد عن الدين ويكفر بشرائع الإيمان فقد بطل عمله وهو من الهالكين، ثم أمر تعالى بإسباغ الوضوء عند الصلاة فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ﴾ أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون ﴿ فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ﴾ أي اغسلوا الوجوه والأيدي مع المرافق ﴿ وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ﴾ أي امسحوا رءوسكم واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين أي معهما قال الزمخشري: وفائدة المجيء بالغاية ﴿ إلى الكعبين ﴾ لدفع ظن من يحسبها ممسوحة لأن المسح لم تضرب له غاية في الشريعة وفي الحديث
" ويل للأعقاب من النار "
وهذا الحديث يرد على الإمامية الذين يقولون بأن الرجلين فرضهما المسح لا الغسل، والآية صريحة لأنها جاءت بالنصب ﴿ وأرجلكم ﴾ فهي معطوفة على المغسول وجيء بالمسح بين المغسولات لإفادة الترتيب ﴿ وإن كنتم جنبا فاطهروا ﴾ أي إن كنتم في حالة جنابة فتطهروا بغسل جميع البدن ﴿ وإن كنتم مرضى أو على سفر ﴾ أي إن كنتم مرضى ويضركم الماء، أو كنتم مسافرين ولم تجدوا الماء ﴿ أو جآء أحد منكم من الغائط ﴾ أي أتى من مكان البراز ﴿ أو لامستم النسآء ﴾ أي جامعتموهن ﴿ فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا ﴾ أي ولم تجدوا الماء بعد طلبه فاقصدوا التراب الطاهر للتيمم به ﴿ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ﴾ أي امسحوا وجوهكم وأيديكم بالتراب بضربتين كما وضحت السنة النبوية ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ﴾ أي ما يريد بما فرض عليكم من الوضوء والغسل والتيمم تضييقا عليكم ﴿ ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ﴾ أي يطهركم من الذنوب وأدناس الخطايا بالوضوء والتيمم، وليتم نعمته عليكم ببيان شرائع الإسلام ولتشكروه على نعمه التي لا تحصى ﴿ واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا ﴾ الخطاب للمؤمنين والنعمة هنا الإسلام وما صاروا إليه من اجتماع الكلمة والعزة أي اذكروا يا أيها المؤمنون نعمة الله العظمى عليكم بالإسلام وعهده الذي عاهدكم عليه رسوله حين بايعتموه على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره ﴿ واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور ﴾ أي اتقوا الله فإنه عالم بخفايا نفوسكم فيجازيكم عليها ﴿ يا أيهآ الذين آمنوا كونوا قوامين لله ﴾ أي كونوا مبالغين في الإستقامة بشهادتكم لله وصيغة قوام للمبالغة ﴿ شهدآء بالقسط ﴾ أي تشهدون بالعدل ﴿ ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ﴾ أي لا يحملنكم شدة بغضكم للأعداء على ترك العدل فيهم والاعتداء عليهم ﴿ اعدلوا هو أقرب للتقوى ﴾ أي العدل مع من تبغضونهم أقرب لتقواكم لله ﴿ واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ﴾ أي مطلع على أعمالكم ومجازيكم عليها قال الزمخشري: وفي هذا تنبيه عظيم على أن العدل إذا كان واجبا مع الكفار الذين هم أعداء الله وكان بهذه الصفة من القوة، فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه؟! ﴿ وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ أي وعد الله المؤمنين المطيعين ﴿ لهم مغفرة وأجر عظيم ﴾ أي لهم في الآخرة مغفرة للذنوب وثواب عظيم وهو الجنة ﴿ والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ أولئك أصحاب الجحيم ﴾ لما ذكر مآل المؤمنين المتقين وعاقبتهم ذكر مآل الكافرين المجرمين وأنهم في دركات الجحيم دائمون في العذاب قال أبو حيان: وقد جاءت الجملة فعلية بالنسبة للمؤمنين متضمنة الوعد بالماضي الذي هو الدليل على الوقوع، وفي الكافرين جاءت الجملة إسمية دالة على ثبوت هذا الحكم لهم وأنهم أصحاب النار فهم دائمون في عذاب الجحيم.