تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال رَحِمَهُ اللهُ: دَخَلَ أَبُو مُوسَى وَأَبُو مَسْعُودٍ عَلَى عَمَّار بنِ ياسر (ت: 37) رضي الله عنهم, حَيْثُ بَعَثَهُ عَلِيٌّ رضي الله عنه إِلَى أَهْلِ الكُوفَةِ يَسْتَنْفِرُهُمْ، فَقَالاَ: مَا رَأَيْنَاكَ أَتَيْتَ أَمْرًا أَكْرَهَ عِنْدَنَا مِنْ إِسْرَاعِكَ فِي هَذَا الأَمْرِ مُنْذُ أَسْلَمْتَ؟

فَقَالَ عَمَّارٌ: «مَا رَأَيْتُ مِنْكُمَا مُنْذُ أَسْلَمْتُمَا أَمْرًا أَكْرَهَ عِنْدِي مِنْ إِبْطَائِكُمَا عَنْ هَذَا الأَمْرِ».

فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ، وَكَانَ مُوسِرًا: يَا غُلاَمُ هَاتِ حُلَّتَيْنِ، فَأَعْطَى إِحْدَاهُمَا أَبَا مُوسَى وَالأُخْرَى عَمَّارًا، وَقَالَ: رُوحَا فِيهِ إِلَى الجُمُعَةِ. [٢٦] صحيح البخاري (7105), (7102)

ز- فوائد أخرى

قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها (ت: 58): «نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ». صحيح مسلم (332)

وَقَالَ مُجَاهِدٌ رحمه الله (ت: 104): لاَ يَتَعَلَّمُ العِلْمَ مُسْتَحْيٍ وَلاَ مُسْتَكْبِرٌ. صحيح البخاري, بَاب: الحَيَاء فِي العِلْمِ.

وقال الثَّوْرِيّ رحمه الله (ت: 161): مَن طلب الرِّياسة بالعلم سريعاً فاته عِلْمٌ كثيرٌ. عيون الأخبار 523 / 2

وقال وهيب بن الورد رحمه الله (ت: 160): ضُرب لعلماء السوء مثل، فقيل: إنما مثل عالم السوء كمثل الحجَر في الساقية، فلا هو يشرب الماء، ولا هو يخلّي الماء إلى الشجر، فيحيا به. صفة الصفوة 2/533

وقال سفيان بن عيينة رحمه الله (ت 198): إنما منزلة الذي يطلب العلم ينتفع به بمنزلة العبد يطلب كل شيء يُرضي سيده، يطلب التحبب إليه، والتقرب إليه، والمنزلة عنده لئلا يجد عنده شيئاً يكرهه. صفة الصفوة 2/541

[٢٦] هكذا كان الصحابة رضي الله عنهم, تختلف آراؤهم ولا تختلف قلوبهم, فأبو مسعودٍ وأبو موسى اختلفا الرأي مع عمَّارٍ رضي الله عنهم, وخطَّأ بعضهم بعضًا, وتصارحوا بذلك, ومع ذلك لم يُحدث ذلك فيهم شرخًا في المودة والمحبة, بل كسا أبو مسعودٍ عمارًا وأكرمه. ومن الملاحظ أنَّ ما اختلفوا فيه أمرٌ خطيرٌ يتعلَّق بالأمة, وهو لا يخلو من أنْ يكون نُصرةً للخليفة العادل الحق- أي علي رضي الله عنه- في حقِّ من قاتل معه, أو خذلانًا له في حقِّ من تركه وقعد في بيته, ومع ذلك لم يُعنِّف الصحابةُ بعضُهم بعضًا, ولم نرهم في هذه القصة وغيرها يُلزمون مُخالفيهم بلوازم باطلة, بل ولم نرهم يتكلَّفون إقناع مُخالفيهم بالحجج والأدلة, وإنما غاية ما يفعلون: عرضُ رأيهم وأدلّتِهم فقط, دون تعصب ودون رميِ من لم يأخذ بقولِهم بأنه يردُّ الحق.

مختصر حياة السلف بين القول والعمل · الصفحة ٤٩

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر حياة السلف بين القول والعملص ٤٩