تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ض- حال السلف وأهل العلم عند الاختلاف

كَانَتْ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ (ت: 13) وَعُمَرَ (ت: 23) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مُحَاوَرَةٌ[٢٤]، فَأَغْضَبَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ فَانْصَرَفَ عَنْهُ عُمَرُ مُغْضَبًا، فَاتَّبَعَهُ أَبُو بَكْرٍ يَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ، فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى أَغْلَقَ بَابَهُ فِي وَجْهِهِ، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا صَاحِبُكُمْ هَذَا فَقَدْ غَامَرَ».

وقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ رحمه الله: كُنْتُ أَنَا وَابْنُ عُمَرَ (ت: 73) مُسْتَنِدَيْنِ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ رضي الله عنها (ت: 58)، وَإِنَّا لَنَسْمَعُ ضَرْبَهَا بِالسِّوَاكِ تَسْتَنُّ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، اعْتَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَجَبٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَيْ أُمَّتَاهُ أَلَا تَسْمَعِينَ مَا يَقُولُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَتْ: وَمَا يَقُولُ؟ قُلْتُ يَقُولُ: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَجَبٍ، فَقَالَتْ: «يَغْفِرُ اللهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَعَمْرِي، مَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ، وَمَا اعْتَمَرَ مِنْ عُمْرَةٍ إِلَّا وَإِنَّهُ لَمَعَهُ» قَالَ: وَابْنُ عُمَرَ يَسْمَعُ، فَمَا قَالَ: لَا، وَلَا نَعَمْ، سَكَتَ. صحيح مسلم (1255).[٢٥]

[٢٤] أَيْ: حوار وجدال في موضوع ما.

وَنَدِمَ عُمَرُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ، فَأَقْبَلَ حَتَّى سَلَّمَ وَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَصَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخَبَرَ، وَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يَقُولُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ. صحيح البخاري (4640)

[٢٥] إذا صدرت من أحد الصحابة والسلف الصالح رضي الله عنهم فتوى تُخالف النص: ردُّوا على الفتوى وبينوا خطأها مع الاحتفاظ لصاحبها بالاحترام والإجلال, والْتمسوا له الأعذار, وأحسنوا الظنّ به. فلْنتعلم من مدرسة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, كيفيَّة التعامل مع من أفتى بخلاف الحقّ, وخالف النص الصريح, والعجيب أن هؤلاء الصحابة الكرام, كان أحدُهم يُفتي بما يُخالف النصّ الصريح, ومع ذلك لم يكن أحدٌ من أقرانهم وأصحابهم يردّ عليهم بالعنف والغلظة, ولم يقدحوا بالشخص نفسِه, إنما كانوا يردُّون على الفتوى نفسها, ويُبيِّنون غلطها, دون الْمَساس بصاحبها.

مختصر حياة السلف بين القول والعمل · الصفحة ٤٨

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر حياة السلف بين القول والعملص ٤٨