تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكل ما ذكَره، تعالى، من التفكر والنظر والتدبر إنما أراد به الاعتبارَ، وأراد أن يقول: تَفكَّروا لِتَرَوا أن ذلك هو الحق، انظروا لِتَعلَموا أن ذلك هو الخير، أمّا إذا رأيتم غير ذلك فإنما العيب في بصركم أو في بَصيرتكم أو فيهما معًا، إذا رأيتم غير ذلك فاعلَموا أن فِطرَتَكم فسَدت، وأن قلوبَكم رانَ عليها الإثمُ فضَلَّت، وأن عقولَكم قد صَدَأت فأصبحت لا تَرَى الحقَّ حقًّا ولا الخيرَ خيرًا، وأصبَحَت من الضلال بحيث تَرَى الخيرَ شرًّا والشرَّ خيرًا، وأصبح أصحابُها كالأنعام بل هم أضلُّ سبيلاً، كل ذلك لانحرافِكم عن الصراط المستقيم، صراط الله.

إن الله، في عظمته وجلاله، سبحانه، لا يُلقي برسالته ليَبحَثَها الإنسانُ ويُبديَ فيها رأيَه، نفيًا وإثباتًا، سلبًا وإيجابيًّا، كلاّ، بل كلُّ من تَوهَّمَ ذلك فإنه لا يَقدِرُ اللهَ حقَّ قَدْرِه، وتَعالَى اللهُ عن ذلك علوًا كبيرًا، وإنما ألقاها سبحانه لِتُتَّبَعَ، ولِتُتَّبَعَ في خضوع وسجود، ولِتُتَّبَعَ دون حرج يَحيكُ في الصدر أو شكٍّ يَجُولُ في النفس (فلا وربِّك لا يؤمنون حتى يُحكِّموك فيما شَجَرَ بينهم ثم لا يَجدوا في أنفسهم حَرَجًا مما قَضَيتَ ويسلِّموا تسليمًا) وكلُّ من وجَد في نفسه حَرَجًا من قضايا الدين، وكلُّ مَن لم يُسلِّمْ تسليمًا كاملاً مطلَقًا تامًّا، كل مَن كان كذلك فإنه يَحسُنُ به أن يَرجِعَ إلى إيمانه لِيُصححَه ولِيَتوبَ إلى الله توبة نصوحًا، وباب الله مفتوح للتائبين آناءَ الليل وأطرافَ النهار، وفى كل نفَس وفى كل لحظة، يقول أبو عمرٍو محمد بن إبراهيم الزَّجَّاجي النيسابوري: كان الناس في الجاهلية يَتَّبعون ما تَستحسنُه عقولُهم وطبائعُهم، فجاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فرَدَّهم إلى الشريعة والاتِّباع، فالعقل الصحيح هو الذي يَستحسِنُ محاسن الشريعة ويَستقبِحُ ما تَستقبِحُه.

فتاوي عبد الحليم محمود · الصفحة ٥٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فتاوي عبد الحليم محمودص ٥٠٤