تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" إن موسى كان رجلا حييا ستيرا، لا يرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما يتستر هذا التستر إلا من عيب بجلده، إما برص وإما أدرة انتفاخ الخصية وإما آفة، وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى، فخلا يوما وحده فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل على ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى مر على ملإ من بني إسرائيل فرأوه أحسن ما خلق الله عريانا، وأبرأه مما يقولون "

الحديث ﴿ وكان عند الله وجيها ﴾ أي وكان موسى ذا وجاهة ورفعة ومكانة عند ربه، قال ابن كثير: أي له وجاهة وجاه عند ربه، لم يسأل شيئا إلا أعطاه ﴿ يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ﴾ أي راقبوا الله في جميع أقوالكم وأفعالكم، وقولوا قولا مستقيما مرضيا لله قال الطبري: أي قولا قاصدا غير جائر، حقا غير باطل ﴿ يصلح لكم أعمالكم ﴾ أي يوفقكم لصالح الأعمال ويتقبلها منكم قال ابن عباس: يتقبل حسناتكم ﴿ ويغفر لكم ذنوبكم ﴾ أي يمحو عنكم الذنوب والأوزار ﴿ ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما ﴾ أي ومن أطاع الله والرسول فقد نال غاية مطلوبة، ثم لما أرشدهم إلى مكارم الأخلاق، نبههم على قدر التكاليف الشرعية التي كلف الله بها البشرية فقال ﴿ إنا عرضنا الأمانة على السموت والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ﴾ أي عرضنا الفرائض والتكاليف الشرعية على السماوات والأرض والجبال الراسيات فأعرضن عن حملها وخفن من ثقلها وشدتها، والغرض تصوير عظم الأمانة وثقل حملها، قال أبو السعود: والمعنى أن تلك الأمانة في عظم الشأن بحيث لو كلفت هاتيك الأجرام العظام التي هي مثل في القوة والشدة وكانت ذات شعور وإدراك على مراعاتها لأبين قبولها وأشفقن منها وقال ابن جزي: الأمانة هي التكاليف الشرعية من التزام الطاعات، وترك المعاصي، وقيل: هي الأمانة في الأموال، والصحيح العموم في التكاليف، وعرضها يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون الله خلق لها إدراكا فعرضت عليها الأمانة حقيقة فأشفقت منها وامتنعت من حملها، والثاني: أن يكون المراد تعظيم شأن الأمانة وأنها من الثقل بحيث لو عرضت على السماوات والأرض والجبال، لأبين من حملها وأشفقن منها، فهذا ضرب من المجاز كقولك: عرضت الحمل العظيم على الدابة فأبت أن تحمله، والمراد أنها لا تقدر على حمله ﴿ وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ﴾ أي وتحملها الإنسان إنه كان شديد الظلم لنفسه، مبالغا في الجهل بعواقب الأمور، قال ابن الجوزي: لم يرد بقوله ﴿ أبين ﴾ المخالفة، وإنما أبين للخشية والمخافة، لأن العرض كان تخييرا لا إلزاما ﴿ ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ﴾ قال ابن كثير: أي إنما حمل بني آدم الأمانة وهي التكاليف ليعذب الله المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، والمشركين الذين ظاهرهم وباطنهم على الكفر ﴿ ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات ﴾ أي ويرحم أهل الإيمان، ويعود عليهم بالتوبة والمغفرة والرضوان ﴿ وكان الله غفورا رحيما ﴾ أي واسع المغفرة للمؤمنين حيث عفا عما سلف منهم، رحيما بهم حيث أثابهم وأكرمهم بأنواع الكرامات.

البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1- الإضافة للتشريف ﴿ لا تدخلوا بيوت النبي ﴾ لأنها لما نسب للنبي تشرفت.

2- الطباق بين ﴿ ادخلوا..و.. انتشروا ﴾ وبين ﴿ تبدوا..و.. تخفوه ﴾ وبين ﴿ ثقفوا..و.. أخذوا ﴾.

3- طباق السلب ﴿ فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق ﴾.

4- ذكر الخاص بعد العام ﴿ لئن لم ينته المنافقون.. والمرجفون ﴾ والمرجفون هم المنافقين، فعمم ثم خصص زيادة في التقبيح والتشنيع عليهم.

صفوة التفاسير · الصفحة ٥٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٥٣٧