" كنت أغار من اللاتي وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم وأقول: اتهب المرأة نفسها؟ فلما نزلت ﴿ ترجي من تشآء منهن وتؤوي إليك من تشآء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ﴾ قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك "
ثم قال تعالى ﴿ لا يحل لك النسآء من بعد ﴾ أي لا يحل لك أيها النبي النساء من بعد هؤلاء التسع اللاتي في عصمتك ﴿ ولا أن تبدل بهن من أزواج ﴾ أي ولا يحل لك أن تطلق واحدة منهن وتنكح مكانها أخرى ﴿ ولو أعجبك حسنهن ﴾ أي ولو أعجبك جمال غيرهن من النساء ﴿ إلا ما ملكت يمينك ﴾ أي إلا ما كان من الجواري والإماء فلا بأس في ذلك لأنهن لسن زوجات ﴿ وكان الله على كل شيء رقيبا ﴾ أي مطلعا على أعمالكم شاهدا عليها، وفيه تحذير من مجاوزة حدوده، وتخطي حلاله وحرامه. قال المفسرون: أباح الله لرسوله أصنافا أربعة " الممهورات، المملوكات، المهاجرات، الواهبات أنفسهن " توسعة عليه صلى الله عليه وسلم وتيسيرا له في نشر الرسالة وتبليغ الدعوة، ولما نزلت آية التخيير
قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا..
[الأحزاب: 28] الآية، وخيرهن عليه السلام، واخترن الله ورسوله والدار الآخرة، أكرمهن الله تعالى بأن قصره عليهن، وحرم عليه أن يتزوج بغيرهن.
البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
1- التنكير لإفادة العموم ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ﴾ لأن النكرة في سياق النفي تفيد العموم، أي ليس لواحد منهم أن يريد غير ما أراده الله ورسوله.
2- الطباق بين ﴿ تخفي.. مبديه ﴾ وبين ﴿ الظلمات..و.. النور ﴾ وبين ﴿ مبشرا..و.. نذيرا ﴾ وهو من المحسنات البديعية.
3- جناس الاشتقاق ﴿ قدرا مقدورا ﴾.
4- طباق السلب ﴿ ويخشونه ولا يخشون أحدا ﴾.
5- التشبيه البليغ ﴿ وسراجا منيرا ﴾ أصل التشبيه: أنت يا محمد كالسراج الوضاء في الهداية والإرشاد، حذفت منه أداة التشبيه ووجه الشبه فأصبح بليغا على حد قولهم: علي أسد، ومحمد قمر.
6- الكناية ﴿ من قبل أن تمسوهن ﴾ كنى عن الجماع بالمس وهي من الكنايات المشهورة، ومن الآداب القرآنية الحميدة لأن القرآن يتحاشى الألفاظ البذيئة.
7- الطباق بين ﴿ بكرة..و.. أصيلا ﴾ وبين ﴿ ترجي..و.. تؤوي ﴾ وبين ﴿ ابتغيت..و.. عزلت ﴾.
8- توافق الفواصل مما يزيد في الجمال والإيقاع على السمع مثل ﴿ ومبشرا ونذيرا.. وسراجا منيرا ﴾ ومثل ﴿ سراحا جميلا.. عليما حليما.. غفورا رحيما ﴾ وهذا من خصائق القرآن العظيم، وهو من المحسنات البديعية.