تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سلام قولا من رب رحيم

[يس: 58] ﴿ وأعد لهم أجرا كريما ﴾ أي وهيأ لهم أجرا حسنا وهو الجنة وما فيها من النعيم المقيم، قال ابن كثير: والمراد بالأجر الكريم الجنة وما فيها من المآكل والمشارب، والملابس والمساكن، والملاذ والمناظر، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثم لما بين تعالى أنه أخرج المؤمنين من ظلمات الكفر والضلال إلى أنوار الهداية والإيمان، عقبه بذكر أوصاف السراج المنير الذي أضاء الله به الأكوان فقال: ﴿ يأيها النبي إنآ أرسلناك شاهدا ﴾ أي شاهدا على أمتك وعلى جميع الأمم بأن أنبيائهم قد بلغوهم رسالة ربهم ﴿ ومبشرا ﴾ أي مبشرا للمؤمنين بجنات النعيم ﴿ ونذيرا ﴾ أي ومنذرا للكافرين من عذاب الجحيم ﴿ وداعيا إلى الله بإذنه ﴾ أي وداعيا للخلق إلى توحيد الله وطاعته وعبادته، بأمره جل وعلا لا من تلقاء نفسك ﴿ وسراجا منيرا ﴾ أي وأنت يا محمد كالسراح الوهاج المضيء للناس، يهتدى بك في الدهماء، كما يهتدى بالشهاب في الظلماء، قال ابن كثير: أي أنت يا محمد كالشمس في إشراقها وإضاءتها لا يجحدها إلا معاند وقال الزمخشري: شبهه بالسراج المنير لأن الله جلى به ظلمات الشرك، واهتدى به الضالون، كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير ويهتدى به، وصفه تعالى بخسمة أوصاف كلها كمال وجمال، وثناء وجلال، وختمها بأنه صلوات الله عليه هو السراج الوضاء الذي بدد الله به ظلمات الضلال، فصلوات ربي وسلامه عليه في كل حين وآن ﴿ وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا ﴾ أي وبشر يا محمد المؤمنين خاصة بأن لهم من الله العطاء الواسع الكبير في جنات النعيم ﴿ ولا تطع الكافرين والمنافقين ﴾ أي لا تطعهم فيما يطلبونه منك من المساهلة والملاينة في أمر الدين، بل اثبت على ما أوحي إليك ﴿ ودع أذاهم ﴾ أي ولا تكترث بإذايتهم لك، وصدهم الناس عنك ﴿ وتوكل على الله ﴾ أي واعتمد في جميع أمورك وأحوالك على الله ﴿ وكفى بالله وكيلا ﴾ أي إن الله يكفي من توكل عليه في أمور الدنيا والآخرة قال الصاوي: وفي الآية إشارة إلى أن التوكل أمره عظيم، فمن توكل على الله كفاه ما أهمه من أمور الدنيا والدين، ولما كان الحديث عن نساء النبي صلى الله عليه وسلم وقصة زيد وتطليقه لزينب، جاء الحديث عن نساء المؤمنين والطريقة المثلى في تطليقهن فقال تعالى ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ﴾ أي يا أيها المؤمنون الذين صدقوا بالله ورسوله إذا عقدتم عقد الزواج على المؤمنات وتزوجتموهن ﴿ ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ﴾ أي ثم طلقتموهن من قبل أن تجامعوهن، وإنما خص المؤمنات بالذكر مع أن الكتابيات يدخلن في الحكم، للتنبيه على أن الأليق بالمسلم أن يتخير لنطفته، وألا ينكح إلا مؤمنة عفيفة ﴿ فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ﴾ أي فليس لكم عليهم حق في العدة تستوفون عددها عليهن، لأنكم لم تعاشروهن فليس هناك احتمال للحمل حتى تحتسبوا المرأة من أجل صيانة نسبكم ﴿ فمتعوهن ﴾ أي فالواجب عليكم إكرامهن بدفع المتعة بما تطيب نفوسكم به من مال أو كسوة، تطييبا لخاطرهن، وتخفيفا لشدة وقع الطلاق عليهن ﴿ وسرحوهن سراحا جميلا ﴾ أي وخلوا سبيلهن تخلية بالمعروف، من غير إضرار ولا إيذاء، ولا هضم لحقوقهن، قال أبو حيان: والسراح الجميل هو كلمة طيبة دون أذى ولا منع واجب، ثم ذكر تعالى ما يتعلق بأحوال زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ يأيها النبي إنآ أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن ﴾ أي إنا قد أبحنا لك يا محمد أنواعا من النساء، توسعة عليك وتيسيرا لك في تبليغ الدعوة، فمن ذلك أننا أبحنا لك زوجاتك اللاتي تزوجتهن بصداق مسمى، وهن في عصمتك ﴿ وما ملكت يمينك ممآ أفآء الله عليك ﴾ أي وأبحنا لك أيضا النساء اللاتي تملكهن في الحرب بطريق الانتصار على الكفار، وإنما قيدهن بطريق الغنائم لأنهن أفضل من اللائي يملكن بالشراء، فقد بذل في إحرازهن جهد ومشقة لم يكن في الصف الثاني ﴿ وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك ﴾ أي وأبحنا لك قريباتك من بنات الأعمام والعمات، والأخوال والخالات بشرط الهجرة معك ﴿ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي ﴾ أي وأحللنا لك النساء المؤمنات الصالحات اللواتي وهبن أنفسهن لك، حبا في الله ورسوله وتقربا لك ﴿ إن أراد النبي أن يستنكحها ﴾ أي إن أردت يا محمد أن تتزوج من شئت منهم بدون مهر ﴿ خالصة لك من دون المؤمنين ﴾ أي خاصة لك يا محمد من دون سائر المؤمنين، فإنه لا يحل لهم التزوج بدون مهر، ولا تصح الهبة، بل يجب مهر المثل ﴿ قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم ﴾ أي قد علمنا ما أوجبنا على المؤمنين من نفقة، ومهر، وشهود في العقد، وعدم تجاوز أربع من النساء، وما أبحنا لهم من ملك اليمين عدا الحرائر، وأما أنت فقد خصصناك بخصائص تيسيرا لك ﴿ لكيلا يكون عليك حرج ﴾ أي لئلا يكون عليك مشقة أو ضيق ﴿ وكان الله غفورا رحيما ﴾ أي عظيم المغفرة واسع الرحمة ﴿ ترجي من تشآء منهن وتؤوي إليك من تشآء ﴾ أي ولك أيها النبي الخيار في أن تطلق من تشاء من زوجاتك، وتمسك من تشاء منهن ﴿ ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ﴾ أي وإذا أحببت أن تؤوي إليك امرأة ممن عزلت من القسمة فلا إثم عليك ولا عتب ﴿ ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بمآ آتيتهن كلهن ﴾ أي ذلك التخيير الذي خيرناك في أمرهن أقرب أن ترتاح قلوبهن فلا يحزن، ويرضين بصنيعك، لأنهن إذا علمن أن هذا أمر من الله، كان أطيب لأنفسهن فلا يشعرن بالحزن والألم ﴿ والله يعلم ما في قلوبكم ﴾ خطاب للنبي على جهة التعظيم أي يعلم ما في قلبك يا محمد وما في قلب كل إنسان، من عدل أو ميل، ومن حب أو كراهية، وإنما خيرناك فيهن تيسيرا عليك فيما أردت ﴿ وكان الله عليما حليما ﴾ أي واسع العلم يعلم جميع ما تظهرون وما تخفون، حليما يضع الأمور في نصابها ولا يعاجل بالعقوبة، بل يؤخر ويمهل لكنه لا يهمل، روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:

صفوة التفاسير · الصفحة ٥٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٥٣٣