تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" أنت أخونا ومولانا "

وقال ابن عمر: ما كنا ندعو " زيد ابن حارثة " إلا زيد بن محمد حتى نزلت ﴿ ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله ﴾ ﴿ وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به ﴾ أي وليس عليكم أيها المؤمنون ذنب أو إثم فيمن نسبتموهم إلى غير آبائهم خطأ ﴿ ولكن ما تعمدت قلوبكم ﴾ أي ولكن الإثم فيما تقصدتم وتعمدتم نسبته إلى غير أبيه ﴿ وكان الله غفورا رحيما ﴾ أي واسع المغفرة عظيم الرحمة, يعفو عن المخطئ ويرحم المؤمن التائب، ثم بين تعالى شفقة الرسول صلى الله عليه وسلم على أمته ونصحه لهم فقال: ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ﴾ أي هو عليه السلام أرأف بهم وأعطف عليهم، وأحق بهم من أنفسهم في كل شيء من أمور الدين والدنيا، وحكمه أنفذ وطاعته أوجب ﴿ وأزواجه أمهاتهم ﴾ أي وزوجاته الطاهرات أمهات المؤمنين في وجوب تعظيمهن واحترامهن، وتحريم نكاحهن قال أبو السعود: أي منزلات منزلة الأمهات، في التحريم واستحقاق التعظيم، وأما فيما عدا ذلك فهن كالأجنبيات ﴿ وأولو الأرحام ﴾ أي أهل القرابات ﴿ بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين ﴾ أي أحق بالإرث من المهاجرين والأنصار في شرع الله ودينه ﴿ إلا أن تفعلوا إلى أوليآئكم معروفا ﴾ أي إلا أن تحسنوا إلى إخوانكم المؤمنين والمهاجرين في حياتكم، أو توصوا إليهم عند الموت فإن ذلك جائز، وبسط اليد بالمعروف مما حث الله عباده عليه قال المفسرون: وهذا نسخ لما كان في صدر الإسلام من توارث المسلمين من بعضهم بالأخوة الإيمانية وبالهجرة ونحوها ﴿ كان ذلك في الكتاب مسطورا ﴾ أي كان حكم التوارث بين ذوي الأرحام مكتوبا مسطرا في الكتاب العزيز لا يبدل ولا يغير، قال قتادة: أي مكتوبا عند الله عز وجل ألا يرث كافر مسلما ﴿ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ﴾ أي اذكر وقت أخذنا من النبيين عهدهم المؤكد باليمين، أن يفوا بما التزموا، وأن يصدق بعضهم بعضا, وأن يؤمنوا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالاتهم ﴿ ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ﴾ أي وأخذنا منك يا محمد الميثاق ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وهؤلاء هم أولو العزم ومشاهير الرسل، وإنما قدمه صلى الله عليه وسلم في الذكر لبيان مزيد شرفه وتعظيمه، قال البيضاوي: خصهم بالذكر لأنهم مشاهير أرباب الشرائع، وقدم نبينا عليه الصلاة والسلام تعظيما له وتكريما لشأنه وقال ابن كثير: بدأ بالخاتم لشرفه صلوات الله عليه، وبيانا لعظم مكانته، ثم رتبهم بحسب وجودهم في الزمان ﴿ وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ﴾ أي وأخذنا من الأنبياء عهدا وثيقا عظيما على الوفاء بما التزموا به من تبليغ الرسالة ﴿ ليسأل الصادقين عن صدقهم ﴾ أي ليسأل الله يوم القيامة الأنبياء الصادقين عن تبليغهم الرسالة إلى قومهم، قال الصاوي: والحكمة في سؤال الرسل مع علمه تعالى بصدقهم هو التقبيح على الكفار يوم القيامة وتبكيتهم وقال القرطبي: وفي الآية تنبيه على أن الأنبياء إذا كانوا يسألون يوم القيامة فكيف بمن سواهم؟ وفائدة سؤالهم توبيخ الكفار كما قال تعالى لعيسى:

أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين

[المائدة: 116] ﴿ وأعد للكافرين عذابا أليما ﴾ أي وأعد الله للكافرين عذابا مؤلما موجعا، بسبب كفرهم وإعراضهم عن قبول الحق، ثم شرع تعالى في ذكر " غزوة الأحزاب " وما فيها من نعم فائضة، وآيات باهرة للمؤمنين فقال: ﴿ يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم ﴾ أي اذكروا فضله وإنعامه عليكم ﴿ إذ جآءتكم جنود ﴾ أي وقت مجيء جنود الأحزاب وتألبهم عليكم، قال أبو السعود: والمراد بالجنود الأحزاب وهم قريش، وغطفان، ويهود قريظة وبني النضير، وكانوا زهاء اثني عشر ألفا، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلام بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة بإشارة " سلمان الفارسي " ثم خرج في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب معسكره والخندق بينه وبين المشركين، واشتد الخوف وظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق في المنافقين حتى قال " معتب بن قشير " يعدنا محمد كنوز كسرى وقيصر ولا نقدر أن نذهب إلى الغائط ﴿ فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها ﴾ أي فأرسلنا على الأحزاب ريحا شديدة وجنودا من الملائكة لم تروهم وكانوا قرابة ألف قال المفسرون: بعث الله عليهم ريحا عاصفا وهي ريح الصبا في ليلة شديدة البرد والظلمة، فقلعت بيوتهم، وكفأت قدورهم، وصارت تلقي الرجل على الأرض، وأرسل الله الملائكة فزلزلتهم ولم تقاتل بل ألقت في قلوبهم الرعب ﴿ وكان الله بما تعملون بصيرا ﴾ أي وهو تعالى مطلع على ما تعملون من حفر الخندق، والثبات على معاونة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت ﴿ إذ جآءوكم من فوقكم ﴾ أي حين جاءتكم الأحزاب من فوق الوادي يعني من أعلاه قبل المشرق، ومنه جاءت أسد وغطفان ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ أي ومن أسفل الوادي يعني أدناه قبل المغرب، ومنه جاء قريش وكنانة وأوباش العرب، والغرض أن المشركين جاءوهم من جهة المشرق والمغرب، وأحاطوا بالمسلمين إحاطة السوار بالمعصم، وأعانهم يهود بني قريظة فنقضوا العهد مع الرسول وانضموا إلى المشركين، فاشتد الخوف، وعظم البلاء ولهذا قال تعالى ﴿ وإذ زاغت الأبصار ﴾ أي وحين مالت الأبصار عن سننها ومستوى نظرها حيرة وشخوصا لشدة الهول والرعب ﴿ وبلغت القلوب الحناجر ﴾ أي زالت عن أماكنها من الصدور حتى كادت تبلغ الحناجر، وهذا تمثيل لشدة الرعب والفزع الذي دهاهم، حتى كأن أحدهم قد وصل قلبه إلى حنجرته من شدة ما يلاقي من الهول ﴿ وتظنون بالله الظنونا ﴾ أي وكنتم في تلك الحالة الشديدة تظنون الظنون المختلفة، قال الحسن البصري: ظن المنافقون أن المسلمين يستأصلون، وظن المؤمنون أنهم ينصرون، فالمؤمنون ظنوا خيرا، والمنافقون ظنوا شرا، وقال ابن عطية: كاد المؤمنون يضطربون ويقولون: ما هذا الخلف للوعد؟ وهذه عبارة عن خواطر خطرت للمؤمنين لا يمكن للبشر دفعها، وأما المنافقون فتعجلوا ونطقوا وقالوا: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ﴿ هنالك ابتلي المؤمنون ﴾ أي في ذلك الزمان والمكان امتحن المؤمنون واختبروا، ليتميز المخلص الصادق من المنافق قال القرطبي: وكان هذا الابتلاء بالخوف والقتال، والجوع والحصر والنزال ﴿ وزلزلوا زلزالا شديدا ﴾ أي وحركوا تحريكا عنيفا من شدة ما دهاهم، حتى لكأن الأرض تتزلزل بهم وتضطرب تحت أقدامهم، قال ابن جزي: وأصل الزلزلة شدة التحريك وهو هنا عبارة عن اضطراب القلوب وتزعزعها ﴿ وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ﴾ أي واذكر حين يقول المنافقون، والذين في قلوبهم مرض النفاق، لأن الإيمان لم يخالط قلوبهم ﴿ ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ﴾ أي وما وعدنا الله ورسوله إلا باطلا وخداعا، قال الصاوي: والقائل هو " معتب بن قشير " الذي قال: يعدنا محمد بفتح فارس والروم، وأحدنا لا يقدر أن يتبرز فرقا، ما هذا إلا وعد غرور، يغرنا به محمد ﴿ وإذ قالت طآئفة منهم ﴾ أي واذكر حين قالت جماعة من المنافقين وهم: أوس بن قيظي وأتباعه، وأبي بن سلول وأشياعه ﴿ يأهل يثرب لا مقام لكم ﴾ أي يا أهل المدينة لا قرار لكم ههنا ولا إقامة ﴿ فارجعوا ﴾ أي فارجعوا إلى منازلكم واتركوا محمدا وأصحابه ﴿ ويستأذن فريق منهم النبي ﴾ ويستأذن جماعة من المنافقين النبي صلى الله عليه وسلم في الإنصراف متعللين بعلل واهية ﴿ يقولون إن بيوتنا عورة ﴾ أي غير حصينة فنخاف عليها العدو والسراق ﴿ وما هي بعورة ﴾ تكذيب من الله تعالى لهم أي ليس الأمر كما يزعمون ﴿ إن يريدون إلا فرارا ﴾ أي ما يريدون بما طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم إلا الهرب من القتال، والفرار من الجهاد، والتعبير بالمضارع ﴿ ويستأذن ﴾ لاستحضار الصورة في النفس، فكأن السامع يبصرهم الآن وهم يستأذنون، ثم فضحهم تعالى وبين كذبهم ونفاقهم فقال: ﴿ ولو دخلت عليهم من أقطارها ﴾ أي ولو دخل الأعداء على هؤلاء المنافقين من جميع نواحي المدينة وجوانبها ﴿ ثم سئلوا الفتنة لآتوها ﴾ أي ثم طلب إليهم أن يكفروا وأن يقاتلوا المسلمين لأعطوها من أنفسهم ﴿ وما تلبثوا بهآ إلا يسيرا ﴾ أي لفعلوا ذلك مسرعين، ولم يتأخروا عنه لشدة فسادهم، وذهاب الحق من نفوسهم، فهم لا يحافظون على الإيمان ولا يستمسكون به مع أدنى خوف وفزع، وهذا ذم لهم في غاية الذم ﴿ ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار ﴾ أي ولقد كان هؤلاء المنافقون أعطوا ربهم العهود والمواثيق من قبل غزوة الخندق وبعد بدر ألا يفروا من القتال ﴿ وكان عهد الله مسئولا ﴾ أي وكان هذا العهد منهم جديرا بالوفاء لأنهم سيسألون عنه، وفيه تهديد ووعيد، قال قتادة: لما غاب المنافقون عن بدر، ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة والنصر، قالوا لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلن ﴿ قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل ﴾ أي قل يا أيها النبي لهؤلاء المنافقين، الذين يفرون من القتال طمعا في البقاء وحرصا على الحياة، إن فراركم لن يطول أعماركم ولن يؤخر آجالكم، ولن يدفع الموت عنكم أبدا ﴿ وإذا لا تمتعون إلا قليلا ﴾ أي ولئن هربتم وفررتم فإذا لا تمتعون بعده إلا زمنا يسيرا، لأن الموت مآل كل حي، ومن لم يمت بالسيف مات بغيره ﴿ قل من ذا الذي يعصمكم من الله ﴾ أي من يستطيع أن يمنعكم منه تعالى ﴿ إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ﴾ أي إن قدر هلاككم ودماركم، أو قدر بقاءكم ونصركم؟ ﴿ ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا ﴾ أي وليس لهم من دون الله مجير ولا مغيث، فلا قريب ينفعهم ولا ناصر ينصرهم ﴿ قد يعلم الله المعوقين منكم ﴾ أي لقد علم الله تعالى ما كان من أمر أولئك المنافقين، المثبطين للعزائم، الذين يعوقون الناس عن الجهاد، ويصدونهم عن القتال ﴿ والقآئلين لإخوانهم هلم إلينا ﴾ أي والذين يقولون لإخوانهم في الكفر والنفاق: تعالوا إلينا واتركوا محمدا وصحبه يهلكوا ولا تقاتلوا معهم، قال تعالى: ﴿ ولا يأتون البأس إلا قليلا ﴾ أي ولا يحضرون القتال إلا قليلا منهم رياء وسمعة، قال الصاوي: لأن شأن من يثبط غيره عن الحرب ألا يفعله إلا قليلا لغرض خبيث وقال في البحر: المعنى: لا يأتون القتال إلا إتيانا قليلا، يخرجون مع المؤمنين يوهمونهم أنهم معهم، ولا تراهم يقاتلون إلا شيئا قليلا إذا اضطروا إليه، فقتالهم رياء ليس بحقيقة ﴿ أشحة عليكم ﴾ أي بخلاء عليكم بالمودة والشفقة والنصح لأنهم لا يريدون لكم الخير ﴿ فإذا جآء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت ﴾ أي فإذا حضر القتال رأيت أولئك المنافقين في شدة رعب لا مثيل لها، حتى إنهم لتدور أعينهم في أحداقهم كحال المغشي عليه من معالجة سكرات الموت حذرا وخورا، قال القرطبي: وصفهم بالجبن، وكذا سبيل الجبان ينظر يمينا وشمالا محددا بصره، وربما غشي عليه من شدة الخوف ﴿ فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد ﴾ أي فإذا ذهب الخوف عنهم وانجلت المعركة آذوكم بالكلام بألسنة سليطة، وبالغوا فيكم طعنا وذما، قال قتادة: إذا كان وقت قسمة الغنيمة بسطوا ألسنتهم فيكم يقولون: أعطونا أعطونا فإنا قد شهدنا معكم، ولستم أحق بها منا، فأما عند البأس فأجبن قوم وأخذلهم للحق، وأما عند الغنيمة فأشح قوم وأبسطهم لسانا ﴿ أشحة على الخير ﴾ أي خاطبوكم بما خاطبوكم به حال كونهم أشحة أي بخلاء على المال والغنيمة ﴿ أولئك لم يؤمنوا ﴾ أي أولئك الموصوفون بما ذكر من صفات السوء، لم يؤمنوا حقيقة بقلوبهم وإن أسلموا ظاهرا ﴿ فأحبط الله أعمالهم ﴾ أي أبطلها بسبب كفرهم ونفاقهم، لأن الإيمان شرط في قبول الأعمال ﴿ وكان ذلك على الله يسيرا ﴾ أي وكان ذلك الإحباط سهلا هينا على الله، ثم أخبر تعالى عنهم بما يدل على جبنهم فقال: ﴿ يحسبون الأحزاب لم يذهبوا ﴾ أي يحسب المنافقون من شدة خوفهم وجبنهم أن الأحزاب وهم كفار قريش ومن تحزب معهم بعد انهزامهم لم ينصرفوا عن المدينة وهم قد انصرفوا ﴿ وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب ﴾ أي وإن يرجع إليهم الكفار كرة ثانية للقتال يتمنوا لشدة جزعهم أن يكونوا في البادية من الأعراب لا في المدينة معكم حذرا من القتل وتربصا للدوائر ﴿ يسألون عن أنبآئكم ﴾ أي يسألون عن أخباركم وما وقع لكم فيقولون: أهلك المؤمنون؟ أغلب أبو سفيان؟ ليعرفوا حالكم بالاستخبار لا بالمشاهدة ﴿ ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا ﴾ أي ولو أنهم كانوا بينكم وقت القتال واحتدام المعركة ما قاتلوا معكم إلا قتالا قليلا، لجبنهم وذلتهم وحرصهم على الحياة.

صفوة التفاسير · الصفحة ٥٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٥٢٥