البلاغة: تضمنت الآيات وجوها من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلي:
1- الاستفهام للتهكم والاستهزاء ﴿ أهذا الذي بعث الله رسولا ﴾؟
2- التعجيب ﴿ أرأيت من اتخذ إلهه هواه ﴾ وفيه تقديم المفعول الثاني على الأول اعتناء بالأمر المتعجب منه والأصل " اتخذ هواه إلها له ".
3- التشبيه البليغ ﴿ جعل لكم اليل لباسا ﴾ أي كاللباس الذي يغطي البدن ويستره حذف منه الأداة ووجه الشبه فأصبح بليغا.
4- المقابلة اللطيفة بين الليل والنهار والنوم والانتشار ﴿ جعل لكم اليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا ﴾.
5- الاستعارة البديعة ﴿ بين يدي رحمته ﴾ استعار اليدين لما يكون أمام الشيء وقدامه كما تقول: بين يدي الموضوع أو السورة.
6- الالتفات من الغيبة إلى التكلم للتعظيم ﴿ وأنزلنا من السمآء ﴾ بعد قوله ﴿ أرسل الرياح ﴾.
7- المقابلة اللطيفة ﴿ هذا عذب فرات، وهذا ملح أجاج ﴾ أي نهاية في الحلاوة ونهاية في الملوحة.
تنبيه: الفرق بين ﴿ ميت ﴾ بالتخفيف و ﴿ ميت ﴾ بالتشديد أن الأول لمن مات حقيقة والثاني لمن سيموت قال الشاعر:
أيا سائلي تفسير ميت وميت
فدونك قد فسرت ما عنه تسأل
فما كان ذا روح فذلك ميت
وما الميت إلا من إلى القبر يحمل
25.61-77
المناسبة: لما ذكر إعراض المشركين عن عبادة الرحمن أعقبها بذكر آياته الكونية الدالة على الوحدانية، ثم ختم السورة الكريمة بذكر صفات عباد الرحمن التي استحقوا بها دخول الجنان.
اللغة: ﴿ بروجا ﴾ البروج: منازل الكواكب السيارة سميت بالبروج لأنها تشبه القصور العالية وهي للكواكب كالمنازل للسكان وقيل: هي الكواكب العظيمة ﴿ غراما ﴾ لازما دائما غير مفارق ومنه الغريم لملازمته ﴿ الغرفة ﴾ الدرجة الرفيعة في الجنة وهي في اللغة العلية، وكل بناء عال فهو غرفة ﴿ يعبأ ﴾ يبالي ويهتم قال أبو عبيدة: ما أعبأ به أي وجوده وعدمه عندي سواء، والعبء في اللغة الثقل ﴿ لزاما ﴾ ملازما لكم.
التفسير: ﴿ تبارك الذي جعل في السمآء بروجا ﴾ أي تمجد وتعظم الله الذي جعل في السماء تلك الكواكب العظام المنيرة ﴿ وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا ﴾ أي وجعل فيها الشمس المتوهجة في النهار، والقمر المضيء بالليل ﴿ وهو الذي جعل اليل والنهار خلفة ﴾ أي يخلف كل منهما الآخر ويتعاقبان، فيأتي النهار بضيائه ثم يعقبه الليل بظلامه ﴿ لمن أراد أن يذكر ﴾ أي لمن اراد أن يتذكر آلاء الله، ويتفكر في بدائع صنعه ﴿ أو أراد شكورا ﴾ أي أراد شكر الله على إفضاله ونعمائه قال الطبري: جعل الله الليل والنهار يخلف كل واحد منهما الآخر، فمن فاته شيء من الليل أدركه بالنهار، ومن فاته شيء من النهار أدركه بالليل ﴿ وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ﴾ الإضافة للتشريف أي العباد الذين يحبهم الله وهم جديرون بالانتساب إليه هم الذين يمشون على الأرض في لين وسكينة ووقار، لا يضربون بأقدامهم أشرا ولا بطرا، ولا يتبخترون في مشيتهم ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ﴾ أي وإذا خاطبهم السفهاء بغلظة وجفاء قالوا قولا يسلمون فيه من الإثم قال الحسن: لا يجهلون على أحد، وإن جهل عليهم حلموا ﴿ والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما ﴾ أي يحيون الليل بالصلاة ساجدين لله على جباههم، أو قائمين على أقدامهم كقوله
كانوا قليلا من الليل ما يهجعون
[الذاريات: 17] قال الرازي: لما ذكر سيرتهم في النهار ومن وجهين: ترك الإيذاء، وتحمل الأذى بين هنا سيرتهم في الليالي وهو اشتغالهم بخدمة الخالق ﴿ والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم ﴾ أي يدعون ربهم أن ينجيهم من عذاب النار، ويبتهلون إليه أن يدفع عنهم عذابها ﴿ إن عذابها كان غراما ﴾ أي لازما دائما غير مفارق ﴿ إنها سآءت مستقرا ومقاما ﴾ أي بئست جهنم منزلا ومكان إقامة قال القرطبي: المعنى بئس المستقر وبئس المقام، فهم مع طاعتهم مشفقون خائفون من عذاب الله، وقال الحسن: خشعوا بالنهار وتعبوا بالليل فرقا من عذاب جهنم ﴿ والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ﴾ هذا هو الوصف الخامس من أوصاف عباد الرحمن والمعنى: ليسوا مبذرين في إنفاقهم في المطاعم والمشارب والملابس، ولا مقصرين ومضيقين بحيث يصبحون بخلاء ﴿ وكان بين ذلك قواما ﴾ أي وكان إنفاقهم وسطا معتدلا بين الإسراف والتقتير كقوله تعالى