تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

25.41-60

المناسبة: لما ذكر تعالى شبهات المشركين حول القرآن والرسول، ورد عليهم بالحجج الدامغة، والبراهين القاطعة، ذكر هنا طرفا من استهزائهم وسخريتهم بالرسول فلم يقتصروا على تكذيبه بل زادوا عليه بالاستهزاء والاحتقار، ثم ذكر الأدلة على وحدانيته تعالى وقدرته.

اللغة: ﴿ سباتا ﴾ السبات: الراحة جعل النوم سباتا لأنه راحة للأبدان وأصل السبت: القطع ومنه السبت لليهود لانقطاعهم فيه عن الأعمال ﴿ نشورا ﴾ النشور: الانتشار والحركة، والنهار سبب للانتشار من أجل طلب المعاش ﴿ أناسي ﴾ جمع إنسي مثل كراسي وكرسي قال الفراء: الإنسي والأناسي اسم للبشر وأصله انسان ثم أبدلت من النون ياء فصار إنسي ﴿ مرج ﴾ خلى وأرسل وخلط يقال مرجته إذا خلطته و

أمر مريج

[ق: 5] أي مضطرب مختلط ﴿ فرات ﴾ شديد العذوبة ﴿ أجاج ﴾ شديد الملوحة ﴿ برزخا ﴾ حاجزا.

التفسير: ﴿ وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا ﴾ أي وإذا رآك المشركون يا محمد ما يتخذونك إلا موضع هزء وسخرية ﴿ أهذا الذي بعث الله رسولا ﴾ أي قائلين بطريق التهكم والاستهزاء: أهذا الذي بعثه الله إلينا رسولا؟ ﴿ إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها ﴾ أي إن كان ليصرفنا عن عبادة آلهتنا لولا أن ثبتنا عليها واسمتسكنا بعبادتها قال تعالى ردا عليهم ﴿ وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا ﴾ وعيد وتهديد أي سوف يعلمون في الآخرة عند مشاهدة العذاب من أخطأ طريقا وأضل دينا أهم أم محمد؟ ﴿ أرأيت من اتخذ إلهه هواه ﴾ تعجيب من ضلال المشركين أي أرأيت من جعل هواه إلها كيف يكون حاله؟ قال ابن عباس: كان الرجل من المشركين يعبد حجرا فإذا رأى حجرا أحسن منه رماه وأخذ الثاني فعبده ﴿ أفأنت تكون عليه وكيلا ﴾ أي حافظا تحفظه من اتباع هواه؟ ليس الأمر لك قال أبو حيان: وهذا تيئيس من إيمانهم، وإشارة للرسول عليه السلام ألا يتأسف عليهم، وإعلام أنهم في الجهل بالمنافع وقلة النظر في العواقب مثل البهائم ﴿ أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ﴾؟ أي أتظن أن هؤلاء المشركين يسمعون ما تقول لهم سماع قبول؟ أو يعقلون ما تورده عليهم من الحجج والبراهين الدالة على الوحدانية فتهتم بشأنهم وتطمع في إيمانهم؟ ﴿ إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ﴾ أي ما هم إلا كالبهائم بل هم أبشع حالا، وأسوأ مآلا من الأنعام السارحة، لأن البهائم تهتدي لمراعيها، وتنقاد لأربابها وتعرف من يحسن إليها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه إليهم، ثم ذكر تعالى أنواعا من الدلائل الدالة على وحدانيته وكمال قدرته فقال ﴿ ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ﴾ أي ألم تنظر إلى بديع صنع الله وقدرته كيف بسط تعالى الظل ومده وقت النهار حتى يستروح الإنسان بظل الأشياء من حرارة الشمس المتوهجة؟ إذ لولا الظل لأحرقت الشمس الإنسان وكدرت حياته ﴿ ولو شآء لجعله ساكنا ﴾ أي لو أراد سبحانه لجعله دائما ثابتا في مكان لا يزول ولا يتحول عنه، ولكنه بقدرته ينقله من مكان إلى مكان، ومن جهة إلى جهة، فتارة يكون جهة المشرق، وتارة جهة المغرب، وأخرى من أمام أو خلف ﴿ ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ﴾ أي جعلنا طلوع الشمس دليلا على وجود الظل، فلولا وقوع ضوئها على الأجرام لما عرف أن للظل وجودا، ولما ظهرت آثار هذه النعمة الجليلة للعباد، والأشياء إنما تعرف بأضدادها فلولا الظلمة ما عرف النور، ولولا الشمس ما عرف الظل " وبضدها تتميز الأشياء " ﴿ ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا ﴾ أي أزلنا هذا الظل شيئا فشيئا، وقليلا قليلا لا دفعة واحدة لئلا تختل المصالح قال ابن عباس: الظل من وقت طلوع الفجر إلى وقت طلوع الشمس قال المفسرون: الظل هو الأمر المتوسط بين الضوء الخالص والظلمة الخالصة، وهو يحدث على وجه الأرض منبسطا فيما بين ظهور الفجر إلى طلوع الشمس، ثم إن الشمس تنسخه وتزيله شيئا فشيئا، إلى الزوال، ثم هو ينسخ ضوء الشمس من وقت الزوال إلى الغروب ويسمى فيئا، ووجه الاستدلال به على وجود الصانع الحكيم أن وجوده بعد العدم، وعدمه بعد الوجود، وتغير أحواله بالزيادة والنقصان، والانبساط والتقلص، على الوجه النافع للعباد لا بد له من صانع قادر، مدبر حكيم، يقدر على تحريك الأجرام العلوية، وتدبير الأجسام الفلكية وترتيبها على الوصف الأحسن، والترتيب الأكمل وما هو إلا الله رب العالمين.

صفوة التفاسير · الصفحة ٤٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٤٦١