تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم أشار تعالى إلى آثار قدرته، وجليل نعمته الفائضة على الخلق فقال ﴿ وهو الذي جعل لكم اليل لباسا ﴾ أي هو سبحانه الذي جعل لكم الليل كاللباس يستركم بظلامه كما يستركم اللباس بزينته قال الطبري: وصف الليل باللباس تشبيها من حيث يستر الأشياء فصار لهم سترا يستترون به كما يستترون بالثياب التي يكسونها ﴿ والنوم سباتا ﴾ أي وجعل النوم راحة لأبدانكم بانقطاعكم عن أعمالكم ﴿ وجعل النهار نشورا ﴾ أي وقتا لانتشار الناس فيه لمعايشهم، ومكاسبهم، وأسباب رزقهم ﴿ وهو الذي أرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته ﴾ أي أرسل الرياح مبشرة بنزول الغيث والمطر ﴿ وأنزلنا من السمآء مآء طهورا ﴾ أي أنزلنا من السحاب الذي ساقته الرياح ماء طاهرا مطهرا تشربون وتتطهرون به قال القرطبي: وصيغة ﴿ طهورا ﴾ بناء مبالغة في " طاهر " فاقتضى أن يكون طاهرا مطهرا ﴿ لنحيي به بلدة ميتا ﴾ أي لنحيي بهذا المطر أرضا ميتة لا زرع فيها ولا نبات ﴿ ونسقيه مما خلقنآ أنعاما وأناسي كثيرا ﴾ أي وليشرب منه الحيوان والإنسان لأن الماء حياة كل حي، والناس محتاجون إليه غاية الحاجة لشربهم وزروعهم وسقي مواشيهم قال الإمام الفخر: وتنكير الأنعام والأناسي لأن حياة البشر بحياة أرضهم وأنعامهم، وأكثر الناس يجتمعون في البلاد القريبة من الأودية والأنهار، فهم في غنية عن شرب مياه المطر، وكثير منهم نازلون في البوادي فلا يجدون المياه للشرب إلا عند نزول المطر ولهذا قال ﴿ أنعاما وأناسي كثيرا ﴾ أي بشرا كثيرين لأن " فعيل " يراد به الكثرة ﴿ ولقد صرفناه بينهم ليذكروا ﴾ أي ضربنا الأمثال في هذا القرآن للناس وبينا فيه الحجج والبراهين ليتفكروا ويتدبروا ﴿ فأبى أكثر الناس إلا كفورا ﴾ أي أبى الكثير من البشر إلا الجحود والتكذيب ﴿ ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا ﴾ أي لو أردنا لخففنا عنك أعباء النبوة فبعثنا في كل أهل قرية نبيا ينذرهم، ولكنا خصصناك بالبعثة إلى جميع أهل الأرض إجلالا لك، وتعظيما لشأنك، فقابل هذا الإجلال بالثبات والاجتهاد في الدعوة وإظهار الحق ﴿ فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا ﴾ أي فلا تطع الكفار فيما يدعونك إليه من الكف عن آلهتهم، وجاهدهم بالقرآن جهادا كبيرا بالغا نهايته لا يصاحبه فتور ﴿ وهو الذي مرج البحرين ﴾ أي هو تعالى بقدرته خلى وأرسل البحرين متجاورين متلاصقين بحيث لا يتمازجان ﴿ هذا عذب فرات ﴾ أي شديد العذوبة قاطع للعطش من فرط عذوبته ﴿ وهذا ملح أجاج ﴾ أي بليغ الملوحة، مر شديد المرارة ﴿ وجعل بينهما برزخا ﴾ أي جعل بينهما حاجزا من قدرته لا يغلب أحدهما على الآخر ﴿ وحجرا محجورا ﴾ أي ومنعا من وصول أثر أحدهما إلى الآخر وامتزاجه به قال ابن كثير: معنى الآية أنه تعالى خلق الماءين: الحلو والمالح، فالحلو كالأنهار والعيون والآبار، والمالح كالبحار الكبار التي لا تجري، وجعل بين العذب والمالح حاجزا وهو اليابس من الأرض، ومانعا من أن يصل أحدهما إلى الآخر، وهذا اختيار ابن جرير وقال الرازي: ووجه الاستدلال ههنا بين لأن الحلاوة والملوحة إن كانت بسبب طبيعة الأرض أو الماء فلا بد من الاستواء، وإن لم يكن كذلك فلا بد من قادر حكيم يخص كل واحد بصفة معينة ﴿ وهو الذي خلق من المآء بشرا ﴾ أي خلق من النطفة إنسانا سميعا بصيرا ﴿ فجعله نسبا وصهرا ﴾ أي قسمهم من نطفة واحدة قسمين: ذوي نسب أي ذكورا ينسب إليهم لأن النسب إلى الآباء كما قال الشاعر:

فإنما أمهات الناس أوعية

مستودعات وللآباء أبناء

وإناثا يصاهر بهن، فبالنسب يتعارفون ويتواصلون، وبالمصاهرة تكون المحبة والمودة واجتماع الغريب بالقريب ﴿ وكان ربك قديرا ﴾ أي مبالغا في القدرة حيث خلق من النطفة الواحدة ذكرا وأنثى.. ولما شرح دلائل التوحيد عاد إلى تهجين سيرة المشركين في عبادة الأوثان فقال ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم ﴾ أي يعبدون الأصنام التي لا تنفع ولا تضر لأنها جمادات لا تحس ولا تبصر ولا تعقل ﴿ وكان الكافر على ربه ظهيرا ﴾ أي معينا للشيطان على معصية الرحمن، لأن عبادته للأصنام معانة للشيطان قال مجاهد: يظاهر الشيطان على معصية الله ويعينه ﴿ ومآ أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا ﴾ أي مبشرا للمؤمنين بجنات النعيم، ومنذرا للكافرين بعذاب الجحيم ﴿ قل مآ أسألكم عليه من أجر ﴾ أي قل لهم يا محمد لا أسألكم على تبليغ الرسالة أجرا ﴿ إلا من شآء أن يتخذ إلى ربه سبيلا ﴾ أي لكن من شاء أن يتخذ طريقا يقربه إلى الله بالإيمان والعمل الصالح فليفعل كأنه يقول: لا أسألكم مالا ولا أجرا وإنما أسألكم الإيمان بالله وطاعته وأجري على الله ﴿ وتوكل على الحي الذي لا يموت ﴾ أي اعتمد في جميع أمورك على الواحد الأحد، الدائم الباقي الذي لا يموت أبدا، فإنه كافيك وناصرك ومظهر دينك على سائر الأديان ﴿ وسبح بحمده ﴾ أي نزه الله تعالى عما يصفه هؤلاء الكفار مما لا يليق به من الشركاء والأولاد ﴿ وكفى به بذنوب عباده خبيرا ﴾ أي حسبك أن الله مطلع على أعمال العباد لا يخفى عليه شيء منها قال الإمام الفخر: وهذه الكلمة يراد بها المبالغة كقولهم: كفى بالعلم جمالا، وكفى بالأدب مالا، وهي بمعنى حسبك أي لا تحتاج معه إلى غيره لأنه خبير بأحوالهم، قادر على مجازاتهم، وذلك وعيد شديد ﴿ الذي خلق السموت والأرض وما بينهما في ستة أيام ﴾ أي هذا الإله العظيم الذي ينبغي أن تتوكل عليه هو القادر على كل شيء، الذي خلق السماوات السبع في ارتفاعها واتساعها، والأرضين في كثافتها وامتدادها في مقدار ستة أيام من أيام الدنيا قال ابن جبير: الله قادر على أن يخلقها في لحظة ولكن علم خلقه الرفق والتثبت ﴿ ثم استوى على العرش ﴾ استواء يليق بجلاله من غير تشبيه ولا تعطيل ﴿ الرحمن ﴾ أي هو الرحمن ذو الجود والإحسان ﴿ فسئل به خبيرا ﴾ أي فسل عنه من هو خبير عارف بجلاله ورحمته، وقيل: الضمير يعود إلى الله أي فاسأل الله الخبير بالأشياء، العالم بحقائقها يطلعك على جلية الأمر ﴿ وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن ﴾ أي وإذا قيل للمشركين اسجدوا لربكم الرحمن الذي وسعت رحمته الأكوان ﴿ قالوا وما الرحمن ﴾؟ أي من هو الرحمن؟ استفهموا عنه استفهام من يجهله وهم عالمون به ﴿ أنسجد لما تأمرنا ﴾ أي أنسجد لما تأمرنا بالسجود له من غير أن نعرفه؟ ﴿ وزادهم نفورا ﴾ اي وزادهم هذا القول بعدا عن الدين ونفورا منه.

صفوة التفاسير · الصفحة ٤٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٤٦٢