تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأجمعوا أمركم وشركآءكم

[يونس: 71] ﴿ إني توكلت على الله ربي وربكم ﴾ أي إني لجأت إلى الله وفوضت أمري إليه تعالى مالكي ومالككم ﴿ ما من دآبة إلا هو آخذ بناصيتهآ ﴾ أي ما من نسمة تدب على وجه الأرض إلا هي في قبضته وتحت قهره، والأخذ بالناصية تمثيل للملك والقهر، والجملة تعليل لقوة توكله على الله وعدم مبالاته بالخلق ﴿ إن ربي على صراط مستقيم ﴾ أي إن ربي عادل، يجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، لا يظلم أحدا شيئا ﴿ فإن تولوا فقد أبلغتكم مآ أرسلت به إليكم ﴾ أي فإن تعرضوا عن قبول دعوتي فقد أبلغتكم أيها القوم رسالة ربي، وما على الرسول إلا البلاغ ﴿ ويستخلف ربي قوما غيركم ﴾ أي فسوف يهلككم الله ويستخلف قوما آخرين غيركم، وهذا وعيد شديد ﴿ ولا تضرونه شيئا ﴾ أي لا تضرون الله شيئا بإشراككم ﴿ إن ربي على كل شيء حفيظ ﴾ أي إنه سبحانه رقيب على كل شيء، وهو يحفظني من شركم ومكركم ﴿ ولما جآء أمرنا ﴾ أي ولما جاء أمرنا بالعذاب، وهو ما نزل بهم من الريح العقيم ﴿ نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ﴾ أي نجينا من العذاب هودا والمؤمنون بفضل عظيم ونعمة منا عليهم ﴿ ونجيناهم من عذاب غليظ ﴾ أي وخلصانهم من ذلك العذاب الشديد، وهي الريح المدمرة التي كانت تهدم المساكن، وتدخل في أنوف أعداء الله وتخرج من أدبارهم، وتصرعهم على وجوههم حتى صاروا كأعجاز نخل خاوية ﴿ وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم ﴾ الإشارة لآثارهم أي تلك آثار المكذبين من قوم عاد انظروا ماذا حل بهم، حين كفروا بالله، وأنكروا آياته في الأنفس والآفاق الدالة على وحدانيته؟ ﴿ وعصوا رسله ﴾ أي عصوا رسوله هودا، وجمعه تفظيعا لحالهم، وإظهارا لكمال كفرهم وعنادهم، ببيان أن عصيانهم له عصيان لجميع الرسل السابقين واللاحقين لاتفاق كلمتهم على التوحيد ﴿ واتبعوا أمر كل جبار عنيد ﴾ أي أطاعوا أمر كل مستكبر على الله، حائد عن الحق، لا يذعن له ولا يقبله، يريد به الرؤساء والكبراء ﴿ وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ﴾ أي وألحقوا باللعنة والطرد من رحمة الله في الدنيا ﴿ ويوم القيامة ﴾ أي ويوم القيامة أيضا تلحقهم اللعنة قال الرازي: جعل اللعن رديفا لهم ومتابعا ومصاحبا في الدنيا والآخرة، ومعنى اللعنة الإبعاد من رحمة الله تعالى ومن كل خير ﴿ ألا إن عادا كفروا ربهم ﴾ هذ تشنيع لكفرهم وتهويل بحرف التنبيه وبتكرار اسم عاد أي ألا فانتبهوا إن عادا كفروا بربهم إذ عبدوا غيره، وجحدوا نعمته إذ كذبوا رسوله، فاستحقوا اللعنة في الدنيا، واللعنة في الآخرة ﴿ ألا بعدا لعاد قوم هود ﴾ أي أبعدهم الله من الخير، وأهلكهم عن بكرة أبيهم، وهي جملة دعائية بالهلاك واللعنة ﴿ وإلى ثمود أخاهم صالحا ﴾ أي ولقد أرسلنا إلى قوم ثمود نبيا منهم وهو صالح عليه السلام ﴿ قال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ﴾ أي اعبدوا الله وحده ليس لكم رب معبود سواه ﴿ هو أنشأكم من الأرض ﴾ أي هو تعالى ابتدأ خلقكم من الأرض، فخلق آدم من تراب ثم ذريته من نطفة ﴿ واستعمركم فيها ﴾ أي جعلكم عمارها وسكانها تسكنون بها ﴿ فاستغفروه ثم توبوا إليه ﴾ أي استغفروه من الشرك ثم ارجعوا إليه بالطاعة ﴿ إن ربي قريب مجيب ﴾ أي إنه سبحانه قريب الرحمة مجيب الدعاء ﴿ قالوا يصالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا ﴾ أي كنا نرجو أن تكون فينا سيدا قبل تلك المقالة فلما قلتها انقطع رجاؤنا فيك ﴿ أتنهانآ أن نعبد ما يعبد آباؤنا ﴾ أي أتنهانا يا صالح عن عبادة الأوثان التي عبدها آباؤنا؟ ﴿ وإننا لفي شك مما تدعونآ إليه مريب ﴾ أي وإننا لشاكون في دعواك، وأمرك مريب يوجب التهمة ﴿ قال يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ﴾ أي أخبروني إن كنت على برهان وحجة واضحة من ربي ﴿ وآتاني منه رحمة ﴾ أي وأعطاني النبوة والرسالة ﴿ فمن ينصرني من الله إن عصيته ﴾ أي فمن يمنعني من عذاب الله إن عصيت أمره؟ ﴿ فما تزيدونني غير تخسير ﴾ أي فما تزيدونني بموافقتكم وعصيان أمر الله غير تضليل وإبعاد عن الخير قال الزمخشري: ﴿ غير تخسير ﴾ يعني تخسرون أعمالي وتبطلونها ﴿ ويقوم هذه ناقة الله لكم آية ﴾ أضاف الناقة إلى الله تشريفا لها لأنها خرجت من صخرة صماء بقدرة الله حسب طلبهم أي هذه الناقة معجزتي لكم وعلامة على صدقي ﴿ فذروها تأكل في أرض الله ﴾ أي دعوها تأكل وتشرب في أرض الله فليس عليكم رزقها ﴿ ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب ﴾ أي لا تنالوها بشيء من السوء فيصيبكم عذاب عاجل لا يتأخر عنكم ﴿ فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ﴾ أي ذبحوا الناقة فقال لهم صالح: استمتعوا بالعيش في بلدكم ثلاثة أيام ثم تهلكون قال القرطبي: إنما عقرها بعضهم وأضيف إلى الكل لأنه كان برضى الباقين، فعقرت يوم الأربعاء فأقاموا يوم الخميس والجمعة والسبت وآتاهم العذاب يوم الأحد ﴿ ذلك وعد غير مكذوب ﴾ أي وعد حق غير مكذوب فيه ﴿ فلما جآء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه ﴾ أي فلما جاء أمرنا بإهلاكهم نجينا صالحا ومن آمن به ﴿ برحمة منا ﴾ أي بنعمة وفضل عظيم من الله ﴿ ومن خزي يومئذ ﴾ أي ونجيناهم من هوان ذلك اليوم وذلة ﴿ إن ربك هو القوي العزيز ﴾ أي القوي في بطشه، العزيز في ملكه، لا يغلبه غالب، ولا يقهره قاهر ﴿ وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين ﴾ أي أخذتهم صيحة من السماء تقطعت لها قلوبهم، فأصبحوا هامدين موتى لا حراك بهم كالطير إذا جثمت ﴿ كأن لم يغنوا فيهآ ﴾ أي كأن لم يقيموا في ديارهم ولم يعمروها ﴿ ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود ﴾ أي ألا فانتبهوا أيها القوم إن ثمود كفروا بآيات ربهم فسحقا لهم وبعدا، وهلاكا ولعنة ﴿ ولقد جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى ﴾ هذه هي القصة الرابعة وهي قصة لوط وهلاك قومه المكذبين أي جاءت الملائكة الذين أرسلناهم لإهلاك قوم لوط إبراهيم بالبشارة بإسحاق، قال القرطبي: لما أنزل الله الملائكة لعذاب قوم لوط مروا بإبراهيم فظنهم أضيافا، وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل قاله ابن عباس، وقال السدي: كانوا أحد عشر ملكا على صورة الغلمان الحسان الوجوه ﴿ قالوا سلاما ﴾ أي سلموا عليه سلاما ﴿ قال سلام ﴾ أي قال لهم إبراهيم: سلام عليكم قال المفسرون: رد عليهم التحية بأحسن من تحيتهم لأنه جاء بها جملة اسمية وهي تدل على الثبات والاستمرار ﴿ فما لبث أن جآء بعجل حنيذ ﴾ أي فما أبطأ ولا تأخر مجيئه حتى جاء بعجل مشوي فقدمه لهم قال الزمخشري: والعجل: ولد البقرة ويسمى " الحسيل " وكان مال إبراهيم عليه السلام البقر، والحنيذ: المشوي بالحجارة المحماة في أخدود وقيل: الذي يقطر دسمه ويدل عليه " بعجل سمين " ﴿ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم ﴾ أي فلما رآهم لا يمدون أيديهم إلى الطعام ولا يأكلون منه أنكرهم ﴿ وأوجس منهم خيفة ﴾ أي أحس منهم الخوف والفزع قال قتادة: كان العرب إذا نزل بهم ضيف فلم يطعم من طعامهم ظنوا أنه لم يجيء بخير وأنه جاء يحدث نفسه بشر ﴿ قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط ﴾ أي قالت الملائكة: لا تخف فإنا ملائكة ربك لا نأكل، وقد أرسلنا لإهلاك قوم لوط ﴿ وامرأته قآئمة فضحكت ﴾ أي وامرأة إبراهيم واسمها " سارة " قائمة وراء الستر تسمع كلامهم فضحكت استبشارا بهلاك قوم لوط ﴿ فبشرناها بإسحاق ومن ورآء إسحاق يعقوب ﴾ أي بشرتها الملائكة بإسحاق ولدا لها ويأتيه مولود هو يعقوب ابنا لولدها ﴿ قالت يويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا ﴾ أي قالت سارة متعجبة: يا لهفي ويا عجبي أألد وأنا امرأة مسنة وهذا زوجي إبراهيم شيخ هرم أيضا فكيف يأتينا الولد؟ ﴿ إن هذا لشيء عجيب ﴾ أي إن هذا الأمر لشيء غريب لم تجر به العادة قال مجاهد: كانت يومئذ ابنة تسع وتسعين سنة، وإبراهيم ابن مائة وعشرين سنة ﴿ قالوا أتعجبين من أمر الله ﴾ أي أتعجبين من قدرة الله وحكمته في خلق الولد من زوجين هرمين؟ ليس هذا بمكان عجب على قدرة الله ﴿ رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت ﴾ أي رحمكم الله وبارك فيكم يا أهل بيت إبراهيم ﴿ إنه حميد مجيد ﴾ أي إنه تعالى محمود ممجد في صفاته وذاته، مستحق للحمد والتمجيد من عباده، وهو تعليل بديع لما سبق من البشارة.

صفوة التفاسير · الصفحة ٣١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٣١٣