وإنهم لفي شك منه مريب
[فصلت: 45] بإثبات الشك على سبيل التأكيد والتحقيق وبين قوله ﴿ فإن كنت في شك ﴾ بمعنى الفرض والتمثيل وقال بعضهم: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره ﴿ فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك ﴾ أي اسأل أهل الكتاب الذين يعرفون التوراة والإنجيل، فإن ذلك محقق عندهم كما قصصنا عليك، والغرض دفع الشك عن قصص القرآن ﴿ لقد جآءك الحق من ربك ﴾ أي جاءك يا محمد البيان الحق، والخبر الصادق، الذي لا يعتريه شك ﴿ فلا تكونن من الممترين ﴾ أي فلا تكن من الشاكين المرتابين ﴿ ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله ﴾ أي لا تكذب بشيء من آيات الله ﴿ فتكون من الخاسرين ﴾ أي فتصبح ممن خسر دنياه وآخرته، قال البيضاوي: وهذا من باب التهييج والتثبيت وقطع أطماع المشركين عنه وقال القرطبي: الخطاب في هاتين الآيتين للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره ﴿ إن الذين حقت عليهم كلمت ربك ﴾ أي وجبت عليهم كلمة العذاب بإرادة الله الأزلية ﴿ لا يؤمنون ولو جآءتهم كل آية ﴾ أي لا يصدقون ولا يؤمنون أبدا ولو جاءتهم البراهين والمعجزات ﴿ حتى يروا العذاب الأليم ﴾ أي فحينئذ يؤمنون كما آمن فرعون ولكن لا ينفعهم الإيمان ﴿ فلولا كانت قرية آمنت فنفعهآ إيمانها ﴾ أي فهلا كانت قرية واحدة من القرى التي أهلكناها، تابت عن الكفر وأخلصت الإيمان عند معاينة العذاب فنفعها إيمانها في ذلك الوقت ﴿ إلا قوم يونس ﴾ أي غير قوم يونس ﴿ لمآ آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ﴾ أي لما تابوا عن الكفر وآمنوا بالله رفعنا عنهم العذاب المخزي المهين في الحياة الدنيا ﴿ ومتعناهم إلى حين ﴾ أي أخرناهم إلى انتهاء آجالهم قال قتادة: روي أن يونس أنذرهم بالعذاب ثم خرج من بين أظهرهم، فلما فقدوا نبيهم وظنوا أن العذاب قد دنا منهم، قذف الله في قلوبهم التوبة ولبسوا المسوح، فلما عرف الله الصدق من قلوبهم، والتوبة والندم على ما مضى منهم، كشف الله عنهم العذاب ﴿ ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ﴾ أي لو أراد الله لآمن الناس جميعا، ولكن لم يشأ ذلك لكونه مخالفا للحكمة، فإنه تعالى يريد من عباده إيمان الاختيار، لا إيمان الإكراه والاضطرار ﴿ أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ﴾؟ أي أفأنت يا محمد تكره الناس على الإيمان، وتضطرهم إلى الدخول في دينك؟ ليس ذلك إليك، والآية تسلية له صلى الله عليه وسلم وترويح لقلبه مما كان يحرص عليه من إيمانهم قال ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على إيمان جميع الناس، فأخبره تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبقت له السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبقت له الشقاوة في الذكر الأول ﴿ وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ﴾ أي ما كان لأحد أن يؤمن إلا بإرادته تعالى وتوفيقه ﴿ ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون ﴾ أي ويجعل العذاب على الذين لا يتدبرون آيات الله، ولا يستعملون عقولهم فيما ينفع ﴿ قل انظروا ماذا في السموت والأرض ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء الكفار: انظروا نظر تفكر واعتبار، ما الذي في السماوات والأرض من الآيات الدالة على وحدانيته وكمال قدرته سبحانه؟ ﴿ وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ﴾ أي وما تنفع الآيات والإنذارات قوما سبق لهم من الله الشقاء ﴿ فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم ﴾ أي فهل ينتظر مشركو مكة إلا مثل أيام أسلافهم، وما حل بهم من العذاب والنكال؟ ﴿ قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين ﴾ أي قل لهم يا محمد: انتظروا عاقبة البغي والتكذيب إني من المنتظرين هلاككم ودماركم ﴿ ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك ﴾ أي ثم إذا نزل العذاب بالمكذبين ننجي الرسل والمؤمنين إنجاء مثل ذلك الإنجاء ﴿ حقا علينا ننج المؤمنين ﴾ أي حقا ثابتا علينا من غير شك قال الربيع بن أنس: خوفهم عذابه ونقمته، ثم أخبرهم أنه إذا وقع من ذلك أمر أنجى الله رسله والذين آمنوا معه ﴿ قل يأيها الناس إن كنتم في شك من ديني ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك إن كنتم في شك من حقيقة ديني وصحته ﴿ فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ﴾ أي فلا أعبد ما تعبدون من الأوثان والأصنام التي لا تنفع ولا تضر ﴿ ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم ﴾ أي ولكني أعبد الله الذي يتوفاكم، وبيده محياكم ومماتكم، قال الطبري: وهذا تعريض ولحن من الكلام لطيف، وكأنه يقول: لا ينبغي لكم أن تشكوا في ديني، وإنما ينبغي أن تشكوا في عبادة الأصنام التي لا تعقل ولا تضر ولا تنفع، فأما إلهي الذي أعبده فهو الذي يقبض الخلق وينفع ويضر ﴿ وأمرت أن أكون من المؤمنين ﴾ أي وأنا مأمور بأن أكون مؤمنا موحدا لله لا أشرك معه غيره ﴿ وأن أقم وجهك للدين حنيفا ﴾ أي وأمرت بالاستقامة في الدين، على الحنيفية السمحة ملة إبراهيم ﴿ ولا تكونن من المشركين ﴾ أي ولا تكونن ممن يشرك في عبادة ربه ﴿ ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك ﴾ تأكيد للنهي المذكور أي ولا تعبد غير الله مما لا ينفع ولا يضر كالآلهة والأصنام ﴿ فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين ﴾ أي فإن عبدت تلك الآلهة المزعومة كنت ممن ظلم نفسه لأنك عرضتها لعذاب الله، والخطاب هنا للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد غيره كما تقدم ﴿ وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو ﴾ أي وإن أراد الله إصابتك بضر فلا دافع له إلا هو وحده ﴿ وإن يردك بخير فلا رآد لفضله ﴾ أي وإن أراد إصابتك بنعمة أو رخاء فلا يمنعه عنك مانع ﴿ يصيب به من يشآء من عباده ﴾ أي يصيب بهذا الفضل والإحسان من شاء من العباد ﴿ وهو الغفور الرحيم ﴾ أي هو سبحانه الغفور لذنوب العباد، الرحيم بأهل الرشاد ﴿ قل يأيها الناس قد جآءكم الحق من ربكم ﴾ أي جاءكم القرآن العظيم المشتمل على محاسن الأحكام ﴿ فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ﴾ أي من اهتدى بالإيمان فمنفعة اهتدائه لها خاصة ﴿ ومن ضل فإنما يضل عليها ﴾ أي ومن ضل بالكفر والإعراض فوبال الضلال مقصور عليها ﴿ ومآ أنا عليكم بوكيل ﴾ أي ولست بحفيظ أحفظ عليكم أعمالكم إنما أنا بشير ونذير ﴿ واتبع ما يوحى إليك ﴾ أي اتبع يا محمد في جميع شئونك ما يوحيه إليك ربك ﴿ واصبر حتى يحكم الله ﴾ أي اصبر على ما يعتريك من مشاق التبليغ حتى يقضي الله بينك وبينهم ﴿ وهو خير الحاكمين ﴾ أي هو سبحانه خير من يفصل في الحكومة، والآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ووعيد للمشركين.