تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10.21-39

المناسبة: لما ذكر تعالى الأدلة على فساد عبادة الأوثان، وشبهات المشركين حول الرسالة والقرآن، ذكر هنا أن عادة هؤلاء الأشقياء المكر، والجحود، والعناد، فإن أصابتهم الشدة تضرعوا، وإن جاءتهم الرحمة بطروا وكفروا، ثم ضرب تعالى المثل بالحياة الدنيا في الزوال والفناء، ثم عاد إلى ذكر الأدلة والبراهين، على وحدانية الله رب العالمين.

اللغة: ﴿ عاصف ﴾ العاصف: الريح الشديدة التي تعصف بالأوراق والأشجار، قال الفراء: يقال عصفت الريح وأعصفت أي اشتدت قال الشاعر:

إن الرياح إذا ما أعصفت قصفت

عيدان نجد ولا يعبأن بالرتم

﴿ الموج ﴾ ما ارتفع من الماء فوق البحر، سمي موجا لاضطرابه ﴿ زخرفها ﴾ الزخرف: كمال حسن الشيء ونضارته، سمي زخرفا لبهجته ونضارته ﴿ تغن ﴾ غني بالمكان إذا أقام به وعمره ﴿ يرهق ﴾ يغشى ويعلو يقال: رهقه الذل أي غشيه ﴿ قتر ﴾ القتر والقترة: الغبار الذي معه سواد قال تعالى

ترهقها قترة

[عبس: 41] أي تعلوها غبرة جهنم، وقيل: القتر الغبار وإن لم يكن معه سواد قال الفرزدق:

متوج برداء الملك يتبعه

موج ترى فوقه الرايات والقترا

﴿ زيلنا ﴾ فرقنا وميزنا ﴿ تؤفكون ﴾ تصرفون عن الحق إلى الباطل.

التفسير: ﴿ وإذآ أذقنا الناس رحمة من بعد ضرآء مستهم ﴾ المراد بالناس كفار مكة روي أن الله سلط عليهم القحط سبع سنين حتى كادوا يهلكون فطلبوا منه صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم بالخصب ووعدوه بالإيمان فلما رحمهم الله بإنزال المطر رجعوا إلى الكفر والعناد والمعنى: وإذا أذقنا هؤلاء المشركين رخاء بعد شدة، وخصبا بعد جدب أصابهم ﴿ إذا لهم مكر في آياتنا ﴾ قال مجاهد: استهزاء وتكذيب ﴿ قل الله أسرع مكرا ﴾ أي أعجل عقوبة على جزاء مكرهم ﴿ إن رسلنا يكتبون ما تمكرون ﴾ أي إن الملائكة الحفظة يكتبون مكركم ويسجلون إجرامكم، وفيه تنبيه على أن ما دبروه غير خاف على الحفظة فضلا عن العليم الخبير ﴿ هو الذي يسيركم في البر والبحر ﴾ أي هو تعالى بقدرته الذي يحملكم في البر على الدواب، وفي البحر على السفن التي تسير على وجه الماء ﴿ حتى إذا كنتم في الفلك ﴾ أي حتى إذا كنتم في البحر على ظهور هذه السفن ﴿ وجرين بهم بريح طيبة ﴾ فيه التفات أي وجرين بهم بالريح اللينة الطرية التي تسير السفن ﴿ وفرحوا بها ﴾ أي فرح الركاب بتلك الريح الطيبة ﴿ جآءتها ريح عاصف ﴾ أي وفجأة جاءتها الريح الشديدة العاصفة المدمرة ﴿ وجآءهم الموج من كل مكان ﴾ أي وأحاطت بهم أمواج البحار من كل جهة ﴿ وظنوا أنهم أحيط بهم ﴾ أي أيقنوا بالهلاك ﴿ دعوا الله مخلصين له الدين ﴾ أي أخلصوا الدعاء لله وتركوا ما كانوا يعبدون، قال القرطبي: وفي هذا دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد، وأن المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافرا، لانقطاع الأسباب، ورجوعه إلى رب الأرباب ﴿ لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين ﴾ أي لئن أنقذتنا من هذه الشدائد والأهوال لنكونن من الشاكرين لك على نعمائك، والعاملين بطاعتك ومرضاتك قال في البحر: ومعنى الإخلاص إفراده بالدعاء من غير إشراك أصنام وغيرها وقال الحسن: مخلصين لا إخلاص إيمان ولكن لأجل العلم بأنهم لا ينجيهم من ذلك إلا الله فيكون ذلك جاريا مجرى الإيمان الاضطراري ﴿ فلمآ أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق ﴾ أي فلما خلصهم وأنقذهم إذا هم يعملون في الأرض بالفساد والمعاصي قال ابن عباس: يبغون بالدعاء فيدعون غير الله ويعملون بالمعاصي قال تعالى ردا عليهم ﴿ يأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم ﴾ أي وبال البغي عليكم، ولا يجني ثمرته إلا أنتم ﴿ متاع الحياة الدنيا ﴾ أي تتمتعون في هذه الحياة بالشهوات الفانية، التي تعقبها الحسرات الباقية ﴿ ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون ﴾ أي مرجعكم بعد الموت إلينا فنجازيكم عليها، وفي هذا وعيد وتهديد.

صفوة التفاسير · الصفحة ٢٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٢٩٦