تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكلا وعد الله الحسنى

[النساء: 95] والمعنى التائبون عن المعاصي، العابدون أي المخلصون في العبادة، الحامدون لله في السراء والضراء ﴿ السائحون ﴾ أي السائرون في الأرض للغزو أو طلب العلم، من السياحة وهي السير والذهاب في المدن والقفار للعظة والاعتبار ﴿ الراكعون الساجدون ﴾ أي المصلون ﴿ الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ﴾ أي الداعون إلى الله، يدعون الناس إلى الرشد والهدى، وينهونهم عن الفساد والردى ﴿ والحافظون لحدود الله ﴾ أي المحافظون على فرائض الله، المتمسكون بما شرع الله من حلال وحرام قال الطبري: أي المؤدون فرائض الله، المنتهون إلى أمره ونهيه ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ أي بشرهم بجنات النعيم، وحذف المبشر به إشارة إلى أنه لا يدخل تحت حصر، بل لهم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ﴾ أي لا ينبغي ولا يصح للنبي والمؤمنين أن يطلبوا من الله المغفرة للمشركين ﴿ ولو كانوا أولي قربى ﴾ أي ولو كان المشركون أقرباء لهم ﴿ من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ﴾ أي من بعد ما وضح لهم أنهم من أهل الجحيم لموتهم على الكفر، والآية نزلت في أبي طالب ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه ﴾ هذا بيان للسبب الذي حمل إبراهيم على الاستغفار لأبيه آزر أي ما أقدم إبراهيم على الاستغفار ﴿ إلا عن موعدة وعدهآ إياه ﴾ أي إلا من أجل وعد تقدم له بقوله

سأستغفر لك ربي

[مريم: 47] وأنه كان قبل أن يتحقق إصراره على الشرك ﴿ فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ﴾ أي فلما تبين لإبراهيم أن أباه مصر على الكفر ومستمر على الكفر، تبرأ من أبيه بالكلية فضلا عن الاستغفار له، ثم بين تعالى بأن الذي حمل إبراهيم على الاستغفار هو فرط ترحمه وصبره على أبيه فقال ﴿ إن إبراهيم لأواه ﴾ أي كثير التأوه من فرط الرحمة ورقة القلب ﴿ حليم ﴾ أي صبور على ما يعترضه من الأذى ولذلك حلم عن أبيه مع توعده له بقوله

لئن لم تنته لأرجمنك

[مريم: 46] فليس لغيره أن يتأسى به في ذلك قال أبو حيان: ولما كان استغفار إبراهيم لأبيه بصدد أن يقتدى به بين تعالى العلة في استغفار إبراهيم لأبيه، وهو الوعد الذي كان وعده به، فكان يرجو إيمانه فلما تبين له من جهة الوحي أنه عدو لله، وأنه يموت كافرا، وانقطع رجاؤه منه تبرأ منه وقطع استغفاره ﴿ وما كان الله ليضل قوما ﴾ نزلت الآية في قوم من المسلمين استغفروا للمشركين، فخافوا على أنفسهم من ذلك فنزلت الآية تأنيسا لهم أي ما كان الله ليقضي على قوم بالضلال ﴿ بعد إذ هداهم ﴾ أي بعد أن وفقهم للإيمان ﴿ حتى يبين لهم ما يتقون ﴾ أي حتى يبين لهم ما يجتنبونه فإن خالفوا بعد النهي استحقوا العقوبة ﴿ إن الله بكل شيء عليم ﴾ أي عليم بجميع الأشياء ومنها أنه يعلم من يستحق الهداية، ومن يستحق الإضلال ﴿ إن الله له ملك السموت والأرض ﴾ أي له سلطان السماوات والأرض وملكهما، وكل من فيهما عبيده ومماليكه ﴿ يحيي ويميت ﴾ أي بيده وحده حياتهم وموتهم ﴿ وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ﴾ أي ما لكم أيها الناس من أحد غير الله تلجأون إليه أو تعتمدون عليه قال الألوسي: لما منعهم سبحانه عن الاستغفار للمشركين وإن كانوا أولي قربى، وتضمن ذلك وجوب التبري عنهم، بين لهم أن الله سبحانه مالك كل موجود، ومتولي أمره، والغالب عليه، ولا يتأتى لهم ولاية ولا نصر إلا منه تعالى، ليتوجهوا إليه بكليتهم، متبرئين عما سواه، غير قاصدين إلا إياه ﴿ لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ﴾ أي تاب الله على النبي من إذنه للمنافقين في التخلف، وتاب على المهاجرين والأنصار لما حصل منهم من بعض الهفوات في غزوة تبوك، حيث تباطأ بعضهم، وتثاقل عن الجهاد آخرون، والغرض التوبة على من تخلفوا من المؤمنين عن غزوة تبوك ثم تابوا وأنابوا، وعلم الله صدق توبتهم فقبلها منهم، وصدرها بتوبته على رسوله وكبار صحبه جبرا لقلوبهم، وتنويها لشأنهم، وبعثا للمؤمنين على التوبة، وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار، حتى النبي والمهاجرون والأنصار ﴿ الذين اتبعوه في ساعة العسرة ﴾ أي اتبعوه في غزوة تبوك وقت العسرة في شدة الحر، وقلة الزاد، والضيق الشديد روى الطبري عن عمر رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر البعير فيعصر فرثه فيشربه، فقال أبو بكر يا رسول الله: إن الله قد عودك في الدعاء خيرا فادع لنا، قال: تحب ذلك؟ قال: نعم فرفع يديه فلم يرجعهما حتى سكبت السماء فملأوا ما معهم، فرجعنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر ﴿ من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ﴾ أي من بعد ما كادت قلوب بعضهم تميل عن الحق وترتاب، لما نالهم من المشقة والشدة ﴿ ثم تاب عليهم ﴾ أي وفقهم للثبات على الحق وتاب عليهم لما ندموا ﴿ إنه بهم رءوف رحيم ﴾ أي لطيف رحيم بالمؤمنين ﴿ وعلى الثلاثة الذين خلفوا ﴾ أي وتاب كذلك على الثلاثة الذين تخلفوا عن الغزو، وهم " كعب، وهلال، ومرارة " ﴿ حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ﴾ أي ضاقت عليهم مع سعتها ﴿ وضاقت عليهم أنفسهم ﴾ أي ضاقت نفوسهم بما اعتراها من الغم والهم، بحيث لا يسعها أنس ولا سرور، وذلك بسبب

صفوة التفاسير · الصفحة ٢٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٢٩٠