تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تشابهت قلوبهم

[البقرة: 118] ﴿ قاتلهم الله أنى يؤفكون ﴾ دعاء عليهم بالهلاك أي أهلكهم الله كيف يصرفون عن الحق الى الباطل بعد وضوح الدليل حتى يجعلوا لله ولدا! قال الرازي: الصيغة للتعجب وهو راجع إلى الخلق على عادة العرب في مخاطباتهم، والله تعالى عجب نبيه من تركهم الحق وإصرارهم على الباطل ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ﴾ أي أطاع اليهود أحبارهم والنصارى رهبانهم في التحليل والتحريم وتركوا أمر الله فكأنهم عبدوهم من دون الله والمعنى: أطاعوهم كما يطاع الرب وإن كانوا لم يعبدوهم وهو التفسير المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عدي ابن حاتم:

" أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال: يا عدي إطرح عنك هذا الوثن، قال وسمعته يقرأ سورة براءة ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ﴾ فقلت يا رسول الله: لم يكونوا يعبدونهم فقال عليه السلام: أليس يحرمون ما أحل الله تعالى فيحرمونه، ويحلون ما حرم الله فيستحلون؟! فقلت: بلى، قال: فذلك عبادتهم "

﴿ والمسيح ابن مريم ﴾ أي اتخذه النصارى ربا معبودا ﴿ ومآ أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا ﴾ أي والحال أن أولئك الكفرة ما أمروا على لسان الأنبياء إلا بعبادة إله واحد هو الله رب العالمين ﴿ لا إله إلا هو ﴾ لا معبود بحق سواه ﴿ سبحانه عما يشركون ﴾ أي تنزه الله عما يقول المشركون وتعالى علوا كبيرا ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ﴾ أي يريد هؤلاء الكفار من المشركين وأهل الكتاب أن يطفئوا نور الإسلام وشرع محمد عليه السلام بأفواههم الحقيرة، بمجرد جدالهم وافترائهم، وهو النور الذي جعله الله لخلقه ضياء، فمثلهم في ذلك كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس أو نور القمر بنفخه بفمه ولا سبيل إلى ذلك ﴿ ويأبى الله إلا أن يتم نوره ﴾ أي ويأبى الله إلا أن يعليه ويرفع شأنه ﴿ ولو كره الكافرون ﴾ أي ولو كره الكافرون ذلك ﴿ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ﴾ أي أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم بالهداية التامة والدين الكامل وهو الإسلام ﴿ ليظهره على الدين كله ﴾ أي ليعليه على سائر الأديان ﴿ ولو كره المشركون ﴾ جوابه محذوف أي ولو كره المشركون ظهوره.

البلاغة: 1- ﴿ فتربصوا حتى يأتي الله بأمره ﴾ صيغته أمر وحقيقته وعيد كقوله

اعملوا ما شئتم

[فصلت: 40].

2- ﴿ ويوم حنين ﴾ من باب عطف الخاص على العام للتنويه بشأنه حيث جاء النصر بعد اليأس، والفرج بعد الشدة.

3- ﴿ وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ﴾ شبه ما حل بهم من الكرب والهزيمة والضيق النفسي بضيق الأرض على سعتها على سبيل الاستعارة.

4- ﴿ إنما المشركون نجس ﴾ الصيغة لإفادة الحصر واللفظ فيه تشبيه بليغ أي كالنجس في خبث الباطن وخبث الاعتقاد حذفت منه أداة الشبه ووجه الشبه فأصبح بليغا ومثله ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ﴾ أي كالأرباب في طاعتهم وامتثال أوامرهم في التحريم والتحليل.

5- ﴿ فلا يقربوا المسجد ﴾ عبر عن الدخول بالقرب للمبالغة.

6- ﴿ يطفئوا نور الله ﴾ أراد به نور الإسلام فإن الإسلام بنوره المضيء وحججه القاطعة يشبه الشمس الساطعة في نورها وضيائها فهو من باب الاستعارة. وهي من لطائف الاستعارات.

لطيفة: قال العلامة القرطبي دل قوله تعالى ﴿ لا تتخذوا آبآءكم وإخوانكم أوليآء ﴾ على أن القرب قرب الأديان لا قرب الأبدان، وقد أنشدوا في ذلك أبياتا:

يقولون لي دار الأحبة قد دنت

وأنت كئيب إن ذا لعجيب

فقلت: وما تغني ديار قريبة

إذا لم يكن بين القلوب قريب

صفوة التفاسير · الصفحة ٢٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٢٧٣