تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا

[مريم: 42] ﴿ إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم ﴾ أي إن الذين تعبدونهم من دونه تعالى من الأصنام وتسمونهم آلهة مخلوقون مثلكم بل الأناس أكمل منها لأنها تسمع وتبصر وتبطش وتلك لا تفعل شيئا من ذلك فلهذا قال ﴿ فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ﴾ أمر على جهة التعجيز والتبكيت أي أدعوهم في جلب نفع أو دفع ضر إن كنتم صادقين في دعوى أنها آلهة ﴿ ألهم أرجل يمشون بهآ ﴾ توبيخ إثر توبيخ وكذلك ما بعده من الاستفهام للتقريع والتوبيخ أي هل لهذه الأصنام ﴿ أم لهم أيد يبطشون بهآ ﴾ أي أم هل لهم أيد تفتك وتبطش بمن أرادها بسوء؟ ﴿ أم لهم أعين يبصرون بهآ ﴾ أي أم هل لهم أعين تبصر بها الأشياء؟ ﴿ أم لهم آذان يسمعون بها ﴾ أي أم هل لهم آذان تسمع بها الأصوات؟ والغرض بيان جهلهم وتسفيه عقولهم في عبادة جمادات لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عن عابدها شيئا لأنها فقدت الحواس وفاقد الشيء لا يعطيه، والإنسان أفضل بكثير من هذه الأصنام لوجود العقل والحواس فيه فكيف يليق بالأكمل الأشرف أن يشتغل بعبادة الأخس الأدون الذي لا يحس منه فائدة أبدا لا في جلب منفعة ولا في دفع مضرة؟! ﴿ قل ادعوا شركآءكم ﴾ أي قل لهم يا محمد أدعوا أصنامكم واستنصروا واستعينوا بها علي ﴿ ثم كيدون فلا تنظرون ﴾ أي ابذلوا جهدكم أنتم وهم في الكيد لي وإلحاق الأذى والمضرة بي ولا تمهلون طرفة عين، فإني لا أبالي بكم لاعتمادي على الله قال الحسن: خوفوا الرسول صلى الله عليه وسلم بآلهتهم فأمره تعالى أن يجابههم بذلك ﴿ إن وليي الله الذي نزل الكتاب ﴾ أي إن الذي يتولى نصري وحفظي هو الله الذي نزل علي القرآن ﴿ وهو يتولى الصالحين ﴾ أي هو جل وعلا يتولى عباده الصالحين بالحفظ والتأييد، وهو وليهم في الدنيا والآخرة ﴿ والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون ﴾ كرره ليبين أن ما يعبدونه لا ينفع ولا يضر ﴿ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا ﴾ أي وإن تدعوا هذه الأصنام إلى الهداية والرشاد لا يسمعوا دعاءكم فضلا عن المساعدة والإمداد ﴿ وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ﴾ أي وتراهم يقابلونك بعيون مصورة كأنها ناظرة وهي جماد لا تبصر لأن لهم صورة الأعين وهم لا يرون بها شيئا ﴿ خذ العفو ﴾ أمر له عليه الصلاة والسلام بمكارم الأخلاق أي خذ بالسهل اليسير في معاملة الناس ومعاشرتهم قال ابن كثير: وهذا أشهر الأقوال ويشهد له قول جبريل للرسول صلى الله عليه وسلم

" إن الله يأمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك "

﴿ وأمر بالعرف ﴾ أي بالمعروف والجميل المستحسن من الأقوال والأفعال ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ أي لا تقابل السفهاء بمثل سفههم بل احلم عليهم قال القرطبي: وهذا وإن كان خطابا لنبيه عليه الصلاة والسلام فهو تأديب لجميع خلقه ﴿ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ ﴾ أي وإما يصيبنك يا محمد طائف من الشيطان بالوسوسة والتشكيك في الحق ﴿ فاستعذ بالله ﴾ أي فاستجر بالله والجأ إليه في دفعه عنك ﴿ إنه سميع عليم ﴾ أي سميع لما تقول عليم بما تفعل ﴿ إن الذين اتقوا ﴾ أي الذين اتصفوا بتقوى الله ﴿ إذا مسهم طائف من الشيطان ﴾ أي إذا أصابهم الشيطان بوسوسته وحام حولهم بهواجسه ﴿ تذكروا ﴾ أي تذكروا عقاب الله وثوابه ﴿ فإذا هم مبصرون ﴾ أي يبصرون الحق بنور البصيرة ويتخلصون من وساوس الشيطان ﴿ وإخوانهم يمدونهم في الغي ﴾ أي إخوان الشياطين الذين لم يتقوا الله وهم الكفرة الفجرة فإن الشياطين تغويهم وتزين لهم سبل الضلال ﴿ ثم لا يقصرون ﴾ أي لا يمسكون ولا يكفون عن إغوائهم ﴿ وإذا لم تأتهم بآية ﴾ أي وإذا لم تأتهم بمعجزة كما اقترحوا ﴿ قالوا لولا اجتبيتها ﴾ أي هلا اختلقتها يا محمد واخترعتها من عند نفسك؟! وهو تهكم منهم لعنهم الله ﴿ قل إنمآ أتبع ما يوحى إلي من ربي ﴾ أي قل لهم يا محمد ليس الأمر إلي حتى آتي بشيء من عند نفسي وإنما أنا عبد امتثل ما يوحيه الله إلي ﴿ هذا بصآئر من ربكم ﴾ أي هذا القرآن الجليل حجج بينة، وبراهين نيرة يغني عن غيره من المعجزات فهو بمنزلة البصائر للقلوب به يبصر الحق ويدرك ﴿ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ﴾ أي وهداية ورحمة للمؤمنين لأنهم المقتبسون من أنواره والمنتفعون من أحكامه ﴿ وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ أي وإذا تليت آيات القرآن فاستمعوها بتدبر واسكتوا عند تلاوته إعظاما للقرآن وإجلالا ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ أي لكي تفوزوا بالرحمة ﴿ واذكر ربك في نفسك ﴾ أي واذكر ربك سرا مستحضرا لعظمته وجلاله ﴿ تضرعا وخيفة ﴾ أي متضرعا إليه وخائفا منه ﴿ ودون الجهر من القول ﴾ أي وسطا بين الجهر والسر ﴿ بالغدو والآصال ﴾ أي في الصباح والعشي ﴿ ولا تكن من الغافلين ﴾ أي ولا تغفل عن ذكر الله ﴿ إن الذين عند ربك ﴾ أي الملائكة الأطهار ﴿ لا يستكبرون عن عبادته ﴾ أي لا يتكبرون عن عبادة ربهم ﴿ ويسبحونه ﴾ أي ينزهونه عما لا يليق به ﴿ وله يسجدون ﴾ أي لا يسجدون إلا لله.

صفوة التفاسير · الصفحة ٢٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٢٥٤