ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا
[العنكبوت: 25] ﴿ حتى إذا اداركوا فيها جميعا ﴾ أي تلاحقوا واجتمعوا في النار كلهم ﴿ قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا ﴾ أي قال الأتباع للقادة والرؤساء الذين أضلوهم يا ربنا هؤلاء هم الذين أضلونا عن سبيلك وزينوا لنا طاعة الشيطان ﴿ فآتهم عذابا ضعفا من النار ﴾ أي أذقهم العذاب مضاعفا لأنهم تسببوا في كفرنا ونظير هذه الآية
ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا * ربنآ آتهم ضعفين من العذاب
[الأحزاب: 67 - 68] ﴿ قال لكل ضعف ﴾ أي لكل من القادة والأتباع عذاب مضاعف أما القادة فلضلالهم وإضلالهم، وأما الأتباع فلكفرهم وتقليدهم ﴿ ولكن لا تعلمون ﴾ أي لا تعلمون هوله ولهذا تسألون لهم مضاعفة العذاب ﴿ وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل ﴾ أي قال القادة للأتباع: لا فضل لكم علينا في تخفيف العذاب فنحن متساوون في الضلال وفي استحقاق العذاب الأليم ﴿ فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ﴾ أي فذوقوا عذاب جهنم بسبب إجرامكم، قالوه لهم على سبيل التشفي لأنهم دعوا عليهم بمضاعفة العذاب ﴿ إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها ﴾ أي كذبوا بإياتنا مع وضوحها واستكبروا عن الإيمان بها والعلم بمقتضاها ﴿ لا تفتح لهم أبواب السمآء ﴾ أي لا يصعد لهم عمل صالح كقوله تعالى
إليه يصعد الكلم الطيب
[فاطر: 10] قال ابن عباس: لا يرفع لهم منها عمل صالح ولا دعاء، وقيل: لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء إذا قبضت أرواحهم ويؤيده حديث
" إن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا يجيئه ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة أخرجي إلى سخط من الله وغضب، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة فلا يمر على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الخبيثة؟ حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا فيستفتح فلا يفتح له.. "
الحديث ﴿ ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ﴾ أي لا يدخلون يوم القيامة الجنة حتى يدخل الجمل في ثقب الإبرة، وهذا تمثيل لاستحالة دخول الكفار الجنة كاستحالة دخول الجمل على ضخامته في ثقب الإبرة على دقته مبالغة في التصوير ﴿ وكذلك نجزي المجرمين ﴾ أي ومثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي أهل العصيان والإجرام ﴿ لهم من جهنم مهاد ﴾ أي لهم فراش من النار من تحتهم ﴿ ومن فوقهم غواش ﴾ أي ومن فوقهم أغطية من النار ﴿ وكذلك نجزي الظالمين ﴾ أي ومثل ذلك الجزاء الشديد نجزي كل من ظلم وتعدى حدود الله، ولما ذكر تعالى وعيد الكافرين وما أعده لهم في الآخرة أتبعه بذكر وعد المؤمنين وما أعد لهم فقال ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ أي والذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بما أمرهم به وأطاعوه ﴿ لا نكلف نفسا إلا وسعها ﴾ أي لا نكلف أحدا بما هو فوق طاقته أو بما يعجز عنه بل بما هو في وسعه والجملة اعتراضية بين المبتدأ والخبر قال في البحر: وفائدته التنبيه على أن ذلك العمل في وسعهم وغير خارج عن قدرتهم وفيه تنبيه للكفار على أن الجنة مع عظم ما فيها يوصل إليها بالعمل السهل من غير مشقة ﴿ أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ﴾ هذا هو الخبر أي هؤلاء المؤمنون السعداء هم المستحقون للخلود الأبدي في جنات النعيم لا يخرجون منها أبدا ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ أي طهرنا قلوبهم من الحسد والبغضاء حتى لا يكون بينهم إلا المحبة والتعاطف كما ورد في الحديث
" يدخلون الجنة وليس في قلوب بعضهم على بعض غل "
وصيغة الماضي تفيد التحقق والتثبت ﴿ تجري من تحتهم الأنهار ﴾ أي تجري أنهار الجنة من تحت قصورهم زيادة في نعيمهم ﴿ وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ﴾ أي وفقنا لتحصيل هذا النعيم العظيم ولولا هداية الله تعالى وتوفيقه لما وصلنا إلى هذه السعادة ﴿ لقد جآءت رسل ربنا بالحق ﴾ أي والله لقد صدقنا الرسل فيما أخبرونا به عن الله عز وجل ﴿ ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ﴾ أي وتناديهم الملائكة أن هذه هي الجنة التي أعطيتموها بسبب أعمالكم الصالحة فى الدنيا قال القرطبي: ورثتم منازلها بعملكم، ودخولكم إياها برحمة الله وفضله وفي الحديث