تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6.141-150

المناسبة: لما أخبر تعالى عن المشركين أنهم حرموا أشياء مما رزقهم الله وحكى طرفا من قبائحهم وجرائمهم، ذكر تعالى هنا ما امتن به عليهم من الرزق الذي تصرفوا فيه بغير إذنه تعالى افتراء منهم عليه واختلاقا، ثم أعقبه باحتجاجهم على الشرك وعدم الإيمان بالقضاء والقدر، وهذا أيضا من جملة الكذب والبهتان والافتراء على الله.

اللغة: ﴿ معروشات ﴾ مرفوعات على ما يحملها من العيدان ﴿ حصاده ﴾ الحصاد: جمع الثمر كالجذاذ ﴿ حمولة ﴾ الحمولة: الإبل التي تحمل الأثقال على ظهورها ﴿ فرشا ﴾ الفرش: الصغار التي لا تصلح للحمل كالفصلان والعجاجيل قال الزجاج: الفرش صغار الإبل قال الشاعر:

أورثني حمولة وفرشا

أمشها في كل يوم مشا

﴿ الحوايآ ﴾ قال الواحدي: هي المباعر والمصارين واحدتها حاوية وحوية وقيل: الحوايا الأمعاء التي عليها الشحوم سميت حوايا لأن البطن يحويها ﴿ هلم ﴾ هاتوا ﴿ يعدلون ﴾ يشركون به.

التفسير: ﴿ وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات ﴾ أي هو الذي أنعم عليكم بأنواع النعم لتعبدوه وحده، فخلق لكم بساتين من الكروم منها مرفوعات على عيدان، ومنها متروكات على وجه الأرض لم تعرش ﴿ والنخل والزرع مختلفا أكله ﴾ أي وأنشأ لكم شجر النخيل المثمر بما هو فاكهة وقوت، وأنواع الزرع المحصل لأنواع القوت مختلفا ثمره وحبه في اللون والطعم والحجم والرائحة ﴿ والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه ﴾ أي متشابها في اللون والشكل وغير متشابه في الطعم ﴿ كلوا من ثمره إذآ أثمر ﴾ أي كلوا أيها الناس من ثمر كل واحد مما ذكر إذا أدرك من رطبه وعنبه ﴿ وآتوا حقه يوم حصاده ﴾ أي أعطوا الفقير والمسكين من ثمره يوم الحصاد ما تجود به نفوسكم وقال ابن عباس: يعني الزكاة المفروضة يوم يكال ويعلم كيله ﴿ ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ﴾ أي ولا تسرفوا في الأكل لما فيه من مضرة العقل والبدن قال الطبري: المختار قول عطاء أنه نهي عن الإسراف في كل شيء ﴿ ومن الأنعام حمولة وفرشا ﴾ أي وخلق لكم من الأنعام ما يحمل الأثقال وما يفرش للذبح " أي يضجع " قال ابن أسلم: الحمولة ما تركبون، والفرش ما تأكلون وتحلبون ﴿ كلوا مما رزقكم الله ﴾ أي كلوا من الثمار والزروع والأنعام فقد جعلها الله لكم رزقا ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ أي طريقه وأوامره في التحليل والتحريم كفعل أهل الجاهلية ﴿ إنه لكم عدو مبين ﴾ أي إن الشيطان ظاهر العداوة للإنسان فاحذروا كيده ﴿ ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ﴾ أي وأنشأ لكم من الأنعام ثمانية أنواع أحل لكم أكلها، من الضأن ذكرا وأنثى، ومن المعز ذكرا وأنثى قال القرطبي: يعني ثمانية أفراد، وكل فرد عند العرب يحتاج إلى آخر يسمى زوجا فيقال للذكر: زوج وللأنثى زوج ويراد بالزوجين من الضأن: الكبش والنعجة، ومن المعز: التيس والعنز ﴿ قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين ﴾؟ هذا إنكار لما كانوا يفعلونه من تحريم ما أحل الله أي قل لهم يا محمد على وجه التوبيخ والزجر: آلذكرين من الضأن والمعز حرم الله عليكم أيها المشركون أم الانثيين منهما؟ ﴿ أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ﴾ أي أو ما حملت إناث الجنسين ذكرا كان أو أنثى؟ ﴿ نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ﴾ تعجيز وتوبيخ أي أخبروني عن الله بأمر معلوم لا بافتراء ولا بتخرص إن كنتم صادقين في نسبة ذلك التحريم إلى الله ﴿ ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين ﴾ أي وأنشأ لكم من الإبل اثنين هما الجمل والناقة ومن البقر اثنين هما الجاموس والبقرة ﴿ قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ﴾؟ كرره هنا مبالغة في التقريع والتوبيخ قال أبو السعود: والمقصود إنكار أن الله سبحانه حرم عليهم شيئا من الأنواع الأربعة وإظهار كذبهم في ذلك فإنهم كانوا يحرمون ذكور الأنعام تارة، وإناثها تارة، وأولادها تارة أخرى ﴿ أم كنتم شهدآء إذ وصاكم الله بهذا ﴾ زيادة في التوبيخ أي هل كنتم حاضرين حين وصاكم الله بهذا التحريم؟ وهذا من باب التهكم ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم ﴾ أي لا أحد أظلم ممن كذب على الله فنسب إليه تحريم ما لم يحرم بغير دليل ولا برهان ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ عموم في كل ظالم، ثم أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يبين لهم ما حرمه الله عليهم فقال ﴿ قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس ﴾ أي قل يا محمد لكفار مكة لا أجد فيما أوحاه الله إلي من القرآن شيئا محرما على أي إنسان إلا أن يكون ذلك الطعام ميتة أو دما سائلا مصبوبا أو يكون لحم خنزير فإنه قذر ونجس لتعوده أكل النجاسات ﴿ أو فسقا أهل لغير الله به ﴾ أي أو يكون المذبوح فسقا ذبح على اسم غير الله كالمذبوح على النصب، سمي فسقا مبالغة كأنه نفس الفسق لأنه ذبح على اسم الأصنام ﴿ فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم ﴾ أي من أصابته الضرورة واضطرته إلى أكل شيء من المحرمات فلا إثم عليه إن كان غير باغ أي غير قاصد التلذذ بأكلها بدون ضرورة ولا عاد أي مجاوز قدر الضرورة التي تدفع عنه الهلاك فالله غفور رحيم بالعباد، ثم بين تعالى أن ما حرمه على اليهود إنما كان بسبب بغيهم وعصيانهم فقال ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ﴾ أي وعلى اليهود خاصة حرمنا عليهم كل ذي ظفر قال ابن عباس: هي ذوات الظلف كالإبل والنعام وما ليس بذي أصابع منفرجة كالبط والأوز ﴿ ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهمآ ﴾ أي وحرمنا عليهم أكل شحوم البقر وشحوم الغنم ﴿ إلا ما حملت ظهورهما ﴾ أي إلا الشحم الذي علق بالظهر منهما ﴿ أو الحوايآ ﴾ أي الأمعاء والمصارين ﴿ أو ما اختلط بعظم ﴾ كشحم الألية والمعنى أن الشحم الذي تعلق بالظهور أو احتوت عليه المصارين أو اختلط بعظم كشحم الألية جائز لهم ﴿ ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون ﴾ أي ذلك التحريم بسبب ظلمهم وعدوانهم الذي سبق من قتل الأنبياء وأكل الربا واستحلال أموال الناس بالباطل وإنا لصادقون فيما قصصنا عليك يا محمد، وفي ذلك تعريض بكذب من حرم ما لم يحرم الله والتعريض بكذب اليهود ﴿ فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ﴾ أي فإن كذبك يا محمد هؤلاء اليهود فيما جئت به من بيان التحريم فقل متعجبا من حالهم ربكم ذو رحمة واسعة حيث لم يعاجلكم بالعقوبة مع شدة إجرامكم قال في البحر: وهذا كما تقول عند رؤية معصية عظيمة: ما أحلم الله تعالى! وأنت تريد ما أحلمه لإمهاله العاصي، ثم أعقب وصفه بالرحمة الواسعة بالوعيد الشديد فقال ﴿ ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين ﴾ أي لا تغتروا بسعة رحمته فإنه لا يرد عذابه وسطوته عمن اكتسبوا الذنوب واجترحوا السيئات فهو مع رحمته ذو بأس شديد، وقد جمعت الآية بين الترغيب والترهيب حتى لا يقنط المذنب من الرحمة ولا يغتر العاصي بحلم الله.

صفوة التفاسير · الصفحة ٢٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٢٢٣