6.36-58
المناسبة: لما ذكر الله تعالى إعراض المشركين عن القرآن وعن الإيمان بالنبي عليه السلام، ذكر في هذه الآيات السبب في ذلك وهو أن القرآن نور وشفاء يهتدي به المؤمنون، وأما الكافرون فهم بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون ولا يستجيبون، ثم ذكر اقتراح المشركين بعض الآيات وشبههم بالصم البكم الذين لا يعقلون.
اللغة: ﴿ تضرعوا ﴾ التضرع من الضراعة وهي الذلة يقال: ضرع فهو ضارع ﴿ البأسآء ﴾ من البؤس وهو الفقر ﴿ الضرآء ﴾ من الضر وهو البلاء قال القرطبي: البأساء في الأموال، والضراء في الأبدان، هذا قول الأكثر ﴿ مبلسون ﴾ المبلس: اليائس من الخير من أبلس الرجل إذا يئس ومنه " إبليس " لأنه أبلس من رحمة الله عز وجل ﴿ دابر ﴾ الدابر: الآخر ودابر القوم: خلفهم من نسلهم قال قطرب: يعني استؤصلوا وأهلكوا قال الشاعر:
فأهلكوا بعذاب حص دابرهم
فما استطاعوا له صرفا ولا انتصروا
﴿ يصدفون ﴾ صدف عن الشيء أعرض عنه ﴿ تطرد ﴾ الطرد: الإبعاد مع الإهانة ﴿ الفاصلين ﴾ الحاكمين.
سبب النزول: عن ابن مسعود قال: مر الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده " صهيب، وخباب، وبلال، وعمار " وغيرهم من ضعفاء المسلمين فقالوا يا محمد: أرضيت بهؤلاء من قومك! أفنحن نكون تبعا لهم! أهؤلاء الذين من الله عليهم! اطردهم عنك فلعلك إن طردتهم إتبعناك فأنزل الله تعالى ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ﴾ الآية.
التفسير: ﴿ إنما يستجيب الذين يسمعون ﴾ أي إنما يستجيب للإيمان الذين يسمعون سماع قبول وإصغاء، وهنا تم الكلام ثم ابتدأ فقال ﴿ والموتى يبعثهم الله ﴾ قال ابن كثير: يعني بذلك الكفار لأنهم موتى القلوب فشبههم الله بأموات الأجساد، وهذا من باب التهكم بهم والإزراء عليهم وقال الطبري: يعني والكفار يبعثهم الله مع الموتى، فجعلهم تعالى ذكره في عداد الموتى الذين لا يسمعون صوتا، ولا يعقلون دعاء، ولا يفقهون قولا، إذ كانوا لا يتدبرون حجج الله ولا يعتبرون بآياته ولا يتذكرون فينزجرون عن تكذيب رسل الله ﴿ ثم إليه يرجعون ﴾ أي ثم مرجعهم إلى الله فيجازيهم بأعمالهم ﴿ وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه ﴾ أي قال كفار مكة هلا نزل على محمد معجزة تدل على صدقه كالناقة والعصا والمائدة قال القرطبي وكان هذا منهم تعنتا بعد ظهور البراهين وإقامة الحجة بالقرآن الذي عجزوا أن يأتوا بسورة من مثله ﴿ قل إن الله قادر على أن ينزل آية ﴾ أي هو تعالى قادر على أن يأتيهم بما اقترحوا ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أي لا يعلمون ان إنزالها يستجلب لهم البلاء لأنه لو أنزلها وفق ما طلبوا ثم لم يؤمنوا لعاجلهم بالعقوبة كما فعل بالأمم السابقة ﴿ وما من دآبة في الأرض ﴾ أي ما من حيوان يمشي على وجه الأرض ﴿ ولا طائر يطير بجناحيه ﴾ أي ولا من طائر يطير في الجو بجناحيه ﴿ إلا أمم أمثالكم ﴾ أي إلا طوائف مخلوقة مثلكم خلقها الله وقدر أحوالها وأرزاقها وآجالها قال البيضاوي: والمقصود من ذلك الدلالة على كمال قدرته وشمول علمه وسعة تدبيره ليكون كالدليل على أنه قادر على أن ينزل آية ﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء ﴾ أي ما تركنا وما أغفلنا في القرآن شيئا من أمر الدين يحتاج الناس إليه في أمورهم إلا بيناه وقيل: إن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ ويكون المعنى: ما تركنا في اللوح المحفوظ شيئا فلم نكتبه ﴿ ثم إلى ربهم يحشرون ﴾ أي يجمعون فيقضي بينهم قال الزمخشري: يعني الأمم كلها من الدواب والطير فيعوضها وينصف بعضها من بعض كما روي أنه يأخذ للجماء من القرناء ﴿ والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات ﴾ أي والذين كذبوا بالقرآن صم لا يسمعون كلام الله سماع قبول بكم لا ينطقون بالحق خابطون في ظلمات الكفر قال ابن كثير: وهذا مثل أي مثلهم في جهلهم وقلة علمهم وعدم فهمهم كمثل أصم وهو الذي لا يسمع، أبكم وهو الذي لا يتكلم، وهو مع هذا في ظلمات لا يبصر، فكيف يهتدى مثل هذا إلى الطريق أو يخرج مما هو فيه! ﴿ من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ﴾ أي من يشأ الله إضلاله يضلله ومن يشأ هدايته يرشده إلى الهدى ويوفقه لدين الإسلام ﴿ قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة ﴾ استفهام تعجيب أي أخبروني إن أتاكم عذاب الله كما أتى من قبلكم أو أتتكم القيامة بغتة من تدعون؟ ﴿ أغير الله تدعون إن كنتم صادقين ﴾ أي أتدعون غير الله لكشف الضر عنكم؟ إن كنتم صادقين في أن الأصنام تنفعكم ﴿ بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شآء ﴾ أي بل تخصونه تعالى بدعائكم في الشدائد فيكشف الضر الذي تدعونه إلى كشفه إن شاء كشفه ﴿ وتنسون ما تشركون ﴾ أي تتركون الآلهة فلا تدعونها لاعتقادكم أن الله تعالى هو القادر على كشف الضر وحده دون سواه ﴿ ولقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك ﴾ هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي والله لقد أرسلنا رسلا إلى أمم كثيرين من قبلك فكذبوهم ﴿ فأخذناهم بالبأسآء والضرآء ﴾ أي بالفقر والبؤس والأسقام والأوجاع ﴿ لعلهم يتضرعون ﴾ أي لكي يتضرعوا إلى الله بالتذلل والإنابة ﴿ فلولا إذ جآءهم بأسنا تضرعوا ﴾ لولا للتحضيض أي فهلا تضرعوا حين جاءهم العذاب، وهذا عتاب على ترك الدعاء وإخبار عنهم أنهم لم يتضرعوا مع قيام ما يدعوهم إلى التضرع ﴿ ولكن قست قلوبهم ﴾ أي ولكن ظهر منهم النقيض حيث قست قلوبهم فلم تلن للإيمان ﴿ وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون ﴾ أي زين لهم المعاصي والإصرار على الضلال ﴿ فلما نسوا ما ذكروا به ﴾ أي لما تركوا ما وعظوا به ﴿ فتحنا عليهم أبواب كل شيء ﴾ أي من النعم والخيرات استدراجا لهم ﴿ حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا ﴾ أي فرحوا بذلك النعيم وازدادوا بطرا ﴿ أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ﴾ أي أخذناهم بعذابنا فجأة فإذا هم يائسون قانطون من كل خير ﴿ فقطع دابر القوم الذين ظلموا ﴾ أي استؤصلوا وهلكوا عن آخرهم ﴿ والحمد لله رب العالمين ﴾ أي على نصر الرسل وإهلاك الكافرين قال الحسن: مكر بالقوم ورب الكعبة، أعطوا حاجتهم ثم أخذوا وفي الحديث