البلاغة: 1- ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ استعار المفاتح للأمور الغيبية كأنها مخازن خزنت فيها المغيبات قال الزمخشري: جعل للغيب مفاتح على طريق الاستعارة لأن المفاتح يتوصل بها إلى ما في المخازن المغلقة بالأقفال، فهو سبحانه العالم بالمغيبات وحده.
2- ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴾ استعير التوفي من الموت للنوم لما بينهما من المشاركة في زوال الإحساس والتمييز.
3- ﴿ فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ﴾ وضع الظاهر موضع الضمير " معهم " للتسجيل عليهم بشناعة ما ارتكبوا حيث وضعوا التكذيب والاستهزاء مكان التصديق والتعظيم.
4- ﴿ ونرد على أعقابنا ﴾ عبر بالرد على الأعقاب عن الشرك لزيادة تقبيح الأمر وتشنيعه.
5- ﴿ تعدل كل عدل ﴾ بينهما جناس الاشتقاق.
6- من المحسنات البديعية الطباق في كل من ﴿ رطب..و.. يابس ﴾ و ﴿ الليل... والنهار ﴾ و ﴿ فوق..و.. تحت ﴾ و ﴿ ينفعنا.. و.. يضرنا ﴾ و ﴿ الغيب والشهادة ﴾ والسجع في ﴿ شراب من حميم وعذاب أليم ﴾ والله أعلم.
تنبيه: قال الحاكم: دل قوله تعالى ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ على بطلان قول الإمامية: إن الإمام يعلم شيئا من الغيب، انتهى أقول: هذا كذب وبهتان لأن الغيب لا يعلمه إلا الله.
6.74-94
المناسبة: لما ذكر تعالى الحجج الدامغة الدالة على التوحيد وبطلان عبادة الأوثان، ذكر هنا قصة أب الأنبياء " إبراهيم " لإقامة الحجة على مشركي العرب في تقديسهم الأصنام، فإنه جاء بالتوحيد الخالص الذي يتنافى مع الإشراك بالله، وجميع الطوائف والملل معترفة بفضل إبراهيم وجلالة قدره، ثم ذكر شرف الرسل من أبناء إبراهيم، وأمر رسوله بالاقتداء بهديهم الكريم.
اللغة: ﴿ ملكوت ﴾ ملك والواو والتاء للمبالغة في الوصف كالرغبوت والرهبوت من الرغبة والرهبة ﴿ جن ﴾ ستره بظلمته قال الواحدي: جن عليه الليل وأجنه الليل ويقال لكل ما سترته جن وأجن ومنه الجنة، والجن والجنون، والجنين وكل هذا يعود أصله إلى الستر والاستتار ﴿ بازغا ﴾ طالعا يقال: بزغ القمر إذا ابتدأ في الطلوع قال الأزهري: كأنه مأخوذ من البزغ وهو الشق لأنه بنوره يشق الظلمة شقا ﴿ أفل ﴾ غاب يقال: أفل أفولا إذا غاب ﴿ سلطانا ﴾ حجة ﴿ يلبسوا ﴾ يخلطوا يقال: لبس الأمر خلطه ولبس الثوب اكتسى به ﴿ اجتبيناهم ﴾ اصطفيناهم ﴿ قراطيس ﴾ جمع قرطاس وهو الورق قال الشاعر:
استودع العلم قرطاسا فضيعه
فبئس مستودع العلم القراطيس
﴿ غمرات ﴾ الغمرة: الشدة المذهلة وأصله من غمرة الماء وهي ما يغطي الشيء ﴿ خولناكم ﴾ أعطيناكم وملكناكم والتخويل: المنح والإعطاء ﴿ ضل عنكم ﴾ ضاع وبطل.
سبب النزول:
" عن سعيد بن جبير أن " مالك بن الصيف " من اليهود جاء يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أما تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين؟ - وكان حبرا سمينا - فغضب وقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء فقال له أصحابه الذين معه ويحك ولا على موسى؟ فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء فأنزل الله ﴿ وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا مآ أنزل الله على بشر من شيء.. ﴾ "
الآية.
التفسير: ﴿ وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة ﴾ أي واذكر يا محمد لقومك عبدة الأوثان وقت قول إبراهيم - الذي يدعون أنهم على ملته - لأبيه آزر منكرا عليه أتتخذ أصناما آلهة تعبدها وتجعلها ربا دون الله الذي خلقك فسواك ورزقك؟ ﴿ إني أراك وقومك في ضلال مبين ﴾ أي فأنت وقومك في ضلال عن الحق مبين واضح لا شك فيه ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض ﴾ أي نرى إبراهيم الملك العظيم والسلطان الباهر ﴿ وليكون من الموقنين ﴾ أي وليكون من الراسخين في اليقين أريناه تلك الآيات الباهرة قال مجاهد: فرجت له السماوات والأرض فرأى ببصره الملكوت الأعلى والملكوت الأسفل ﴿ فلما جن عليه الليل رأى كوكبا ﴾ أي فلما ستر الليل بظلمته كل ضياء رأى كوكبا مضيئا في السماء هو الزهرة أو المشتري ﴿ قال هذا ربي ﴾ أي على زعمكم قاله على سبيل الرد عليهم والتوبيخ لهم واستدراجا لهم لأجل أن يعرفهم جهلهم وخطأهم في عبادة غير الله قال الزمخشري: كان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والكواكب فأراد أن ينبههم على ضلالتهم ويرشدهم إلى الحق من طريق النظر والاستدلال، ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤد إلى ألا يكون شيء منها إلها وأن وراءها محدثا أحدثها، ومدبرا دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وقوله ﴿ هذا ربي ﴾ قول من ينصف خصمه مع علمه بأنه مبطل، فيحكي قوله كما هو غير متعصب لمذهبه لأن ذلك أدعى إلى الحق ثم يكر عليه فيبطله بالحجة ﴿ فلمآ أفل قال لا أحب الآفلين ﴾ أي فلما غاب الكوكب قال لا أحب عبادة من كان كذلك، لأن الرب لا يجوز عليه التغير والانتقال لأن ذلك من صفات الأجرام ﴿ فلمآ رأى القمر بازغا قال هذا ربي ﴾ أي فلما رأى القمر طالعا منتشر الضوء قال هذا ربي على الأسلوب المتقدم لفتا لأنظار قومه إلى فساد ما يعبدونه وتسفيها لأحلامهم ﴿ فلمآ أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ﴾ أي فلما غاب القمر قال إبراهيم لئن لم يثبتني ربي على الهدى لأكونن من القوم الضالين، وفيه تعريض لقومه بأنهم على ضلال ﴿ فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذآ أكبر ﴾ أى هذا أكبر من الكوكب والقمر ﴿ فلمآ أفلت قال يقوم إني بريء مما تشركون ﴾ أي فلما غابت الشمس قال أنا بريء من إشراككم وأصنامكم قال أبو حيان: لما أوضح لهم أن هذا الكوكب الذي رآه لا يصلح أن يكون ربا ارتقب ما هو أنور منه وأضوأ فرأى القمر أول طلوعه، ثم لما غاب ارتقب الشمس إذ كانت أنور من القمر وأضوأ، وأكبر جرما وأعم نفعا، فقال ذلك على سبيل الاحتجاج عليهم وبين أنها مساوية للنجم في صفة الحدوث وقال ابن كثير: والحق أن إبراهيم عليه السلام كان في هذا المقام مناظرا لقومه مبينا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الأصنام والكواكب السيارة وأشدهن إضاءة الشمس ثم القمر ثم الزهرة فلما انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما تقع عليه الأبصار وتحقق ذلك بالدليل القاطع ﴿ قال يقوم إني بريء مما تشركون ﴾ ﴿ إني وجهت وجهي ﴾ أي قصدت بعبادتي وتوحيدي ﴿ للذي فطر السموت والأرض ﴾ أي الله الذي ابتدع العالم وخلق السماوات والأرض ﴿ حنيفا ﴾ أي مائلا عن الأديان الباطلة إلى الدين الحق ﴿ ومآ أنا من المشركين ﴾ أي لست ممن يعبد مع الله غيره ﴿ وحآجه قومه ﴾ أي جادلوه وناظروه في شأن التوحيد قال ابن عباس: جادلوه في آلهتهم وخوفوه بها فأجابهم منكرا عليهم ﴿ قال أتحاجوني في الله ﴾ أي أتجادلونني في وجود الله ووحدانيته ﴿ وقد هدان ﴾ أي وقد بصرني وهداني إلى الحق ﴿ ولا أخاف ما تشركون به ﴾ أي لا أخاف هذه الآلهة المزعومة التي تعبدونها من دون الله لأنها لا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع وليست قادرة على شيء مما تزعمون ﴿ إلا أن يشآء ربي شيئا ﴾ أي إلا إذا أراد ربي أن يصيبني شيء من المكروه فيكون ﴿ وسع ربي كل شيء علما ﴾ أي أحاط علمه بجميع الأشياء ﴿ أفلا تتذكرون ﴾ استفهام للتوبيخ أي أفلا تعتبرون وتتعظون؟ وفي هذا تنبيه لهم على غفلتهم التامة حيث عبدوا ما لا يضر ولا ينفع وأشركوا مع ظهور الدلائل الساطعة على وحدانيته سبحانه ﴿ وكيف أخاف مآ أشركتم ﴾ أي كيف أخاف آلهتكم التي أشركتموها مع الله في العبادة! ﴿ ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا ﴾ أي وأنتم لا تخافون الله القادر على كل شيء الذي أشركتم به بدون حجة ولا برهان ﴿ فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ﴾ أي أينا أحق بالأمن أنحن وقد عرفنا الله بأدلة وخصصناه بالعبادة أم أنتم وقد أشركتم معه الأصنام وكفرتم بالواحد الديان؟ ﴿ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ﴾ أي لم يخلطوا إيمانهم بشرك ﴿ أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ﴾ أي لهم الأمن من العذاب وهم على هداية ورشاد، روي