" أن هذه الآية لما نزلت أشفق منها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " ليس كما تظنون وإنما هو كما قال لقمان لابنه ﴿ يبني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ﴾ "
﴿ وتلك حجتنآ آتيناهآ إبراهيم على قومه ﴾ الإشارة إلى ما تقدم من الحجج الباهرة التي أيد الله بها خليله عليه السلام أي هذا الذي احتج به إبراهيم على وحدانية الله من أفول الكواكب والشمس والقمر من أدلتنا التي أرشدناه لها لتكون له الحجة الدامغة على قومه ﴿ نرفع درجات من نشآء ﴾ أي بالعلم والفهم والنبوة ﴿ إن ربك حكيم عليم ﴾ أي حكيم يضع الشيء في محله عليم لا يخفى عليه شيء ﴿ ووهبنا له إسحاق ويعقوب ﴾ أي وهبنا لإبراهيم ولدا وولد ولد لتقر عينه ببقاء العقب ﴿ كلا هدينا ﴾ أي كلا منهما أرشدناه إلى سبيل السعادة وآتيناه النبوة والحكمة قال ابن كثير: يذكر تعالى أنه وهب لإبراهيم إسحق بعد أن طعن في السن وأيس من الولد، وبشر بنبوته وبأن له نسلا وعقبا وهذا أكمل في البشارة وأعظم في النعمة، وكان هذا مجازاة لإبراهيم حين اعتزل قومه وهاجر من بلادهم لعبادة الله، فعوضه الله عن قومه وعشيرته بأولاد صالحين من صلبه لتقر بهم عينه ﴿ ونوحا هدينا من قبل ﴾ أي من قبل إبراهيم، وذكر تعالى نوحا لأنه أب البشر الثاني فذكر شرف أبناء إبراهيم ثم ذكر شرف آبائه ﴿ ومن ذريته داوود وسليمان ﴾ أي ومن ذرية إبراهيم هؤلاء الأنبياء الكرام، وبدأ تعالى بذكر داود وسليمان لأنهما جمعا الملك مع النبوة وسليمان بن داود فذكر الأب والإبن ﴿ وأيوب ويوسف ﴾ قرنهما لاشتراكهما في الإمتحان والبلاء ﴿ وموسى وهارون ﴾ قرنهما لاشتراكهما في الأخوة وقدم موسى لأنه كليم الله ﴿ وكذلك نجزي المحسنين ﴾ أي مثل ذلك الجزاء الكريم لإبراهيم نجزي من كان محسنا في عمله صادقا في إيمانه ﴿ وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس ﴾ قرن بينهم لاشتراكهم في الزهد الشديد والإعراض عن الدنيا ﴿ كل من الصالحين ﴾ أي الكاملين في الصلاح ﴿ وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا ﴾ اسماعيل هو ابن إبراهيم، ويونس بن متى، ولوط بن هاران وهو ابن أخ إبراهيم ﴿ وكلا فضلنا على العالمين ﴾ أي كلا من هؤلاء المذكورين في هذه الآية فضلناه بالنبوة على عالمي عصرهم ﴿ ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم ﴾ أي وهدينا من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم جماعات كثيرة ﴿ واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ﴾ أي اصطفيناهم وهديناهم إلى الطريق الحق المستقيم الذي لا عوج فيه قال ابن عباس: هؤلاء الأنبياء كلهم مضافون إلى ذرية إبراهيم وإن كان فيهم من لا يلحقه بولادة من قبل أم ولا أب ﴿ ذلك هدى الله يهدي به من يشآء من عباده ﴾ أي ذلك الهدى إلى الطريق المستقيم هو هدى الله يهدي به من أراد من خلقه ﴿ ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ﴾ أي لو أشرك هؤلاء الأنبياء مع فضلهم وعلو قدرهم لبطل عملهم فكيف بغيرهم؟ ﴿ أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة ﴾ أي أنعمنا عليهم بإنزال الكتب السماوية والحكمة الربانية والنبوة والرسالة ﴿ فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين ﴾ أي فإن يكفر بآياتنا كفار عصرك يا محمد فقد استحفظناها واسترعيناها رسلنا وأنبياءنا ﴿ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ﴾ أي هؤلاء الرسل المتقدم ذكرهم هم الهداة المهديون فتأس واقتد بسيرتهم العطرة ﴿ قل لا أسألكم عليه أجرا ﴾ أي قل يا محمد لقومك لا أسألكم على تبليغ القرآن شيئا من الأجر والمال ﴿ إن هو إلا ذكرى للعالمين ﴾ أي ما هذا القرآن إلا عظة وتذكير لجميع الخلق ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ أي ما عرفوا الله حق معرفته ولا عظموه حق تعظيمه ﴿ إذ قالوا مآ أنزل الله على بشر من شيء ﴾ أي حين أنكروا الوحي وبعثة الرسل، والقائلون هم اليهود اللعناء تفوهوا بهذه العظيمة الشنعاء مبالغة في إنكار نزول القرآن على محمد عليه السلام ﴿ قل من أنزل الكتاب الذي جآء به موسى نورا وهدى للناس ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المعاندين من أنزل التوراة على موسى نورا يستضاء به وهداية لبني إسرائيل؟ ﴿ تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا ﴾ أي تكتبونه في قراطيس مقطعة وورقات مفرقة تبدون منها ما تشاءون وتخفون ما تشاءون قال الطبري: ومما كانوا يكتمونه إياهم ما فيها من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته ﴿ وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ﴾ أي علمتم يا معشر اليهود من دين الله وهدايته في هذا القرآن ما لم تعلموا به من قبل لا أنتم ولا آباؤكم ﴿ قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ﴾ أي قل لهم في الجواب: الله أنزل هذا القرآن ثم اتركهم في باطلهم الذي يخوضون فيه يهزءون ويلعبون، وهذا وعيد لهم وتهديد على إجرامهم ﴿ وهذا كتاب أنزلناه مبارك ﴾ أي وهذا القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم مبارك كثير النفع والفائدة ﴿ مصدق الذي بين يديه ﴾ أي يصدق كتب الله المنزلة كالتوراة والإنجيل ﴿ ولتنذر أم القرى ومن حولها ﴾ أي لتنذر به يا محمد أهل مكة ومن حولها وهم سائر أهل الأرض قاله ابن عباس ﴿ والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به ﴾ أي والذين يصدقون بالحشر والنشر يؤمنون بهذا الكتاب لما انطوى عليه من ذكر الوعد والوعيد والتبشير والتهديد ﴿ وهم على صلاتهم يحافظون ﴾ أي يؤدون الصلاة على الوجه الأكمل في أوقاتها قال الصاوي: خص الصلاة بالذكر لأنها أشرف العبادات ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ﴾ استفهام معناه النفي أي لا أحد أظلم ممن كذب على الله فجعل له شركاء وأندادا ﴿ أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ﴾ أي زعم أن الله بعثه نبيا كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي مع أن الله لم يرسله ﴿ ومن قال سأنزل مثل مآ أنزل الله ﴾ أي ومن ادعى أنه سينظم كلاما يماثل ما أنزله الله كقول الفجار