" إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج ثم قرأ ﴿ فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ﴾ ﴿ قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم ﴾ "
أي قل يا محمد لهؤلاء المكذبين المعاندين من أهل مكة أخبروني لو أذهب الله حواسكم فأصمكم وأعماكم ﴿ وختم على قلوبكم ﴾ أي طبع على قلوبكم حتى زال عنها العقل والفهم ﴿ من إله غير الله يأتيكم به ﴾ أي هل أحد غير الله يقدر على رد ذلك إليكم إذا سلبه الله منكم؟ ﴿ انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون ﴾ أي انظر كيف نبين ونوضح الآيات الدالة على وحدانيتنا ثم هم بعد ذلك يعرضون عنها فلا يعتبرون ﴿ قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة ﴾ أي قل لهؤلاء المكذبين أخبروني إن أتاكم عذاب الله العاجل فجأة أو عيانا بالليل أو بالنهار ﴿ هل يهلك إلا القوم الظالمون ﴾ الاستفهام إنكاري بمعنى النفي أي ما يهلك بالعذاب إلا أنتم لأنكم كفرتم وعاندتم ﴿ وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ﴾ أي ما نرسل الرسل إلا لتبشير المؤمنين بالثواب، وإنذار الكافرين بالعقاب، وليس إرسالهم ليأتوا بما يقترحه الكافرون من الآيات ﴿ فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ أي فمن آمن بهم وأصلح عمله فلا خوف عليهم في الآخرة ولا هم يحزنون والمراد أنهم لا يخافون ولا يحزنون لأن الآخرة دار الجزاء للمتقين ﴿ والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون ﴾ أي وأما المكذبون بآيات الله فيمسهم العذاب الأليم بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة الله قال ابن عباس: يفسقون أي يكفرون ﴿ قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله ولا أعلم الغيب ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء الكفرة الذين يقترحون عليك تنزيل الآيات وخوارق العادات لست أدعي أن خزائن الله مفوضة إلي حتى تقترحوا علي تنزيل الآيات ولا أدعي أيضا أني أعلم الغيب حتى تسألوني عن وقت نزول العذاب ﴿ ولا أقول لكم إني ملك ﴾ أي ولست أدعي أني من الملائكة حتى تكلفوني الصعود إلى السماء وعدم المشي في الأسواق وعدم الأكل والشرب قال الصاوي: وهذه الآية نزلت حين قالوا له إن كنت رسولا فاطلب من ربك أن يوسع علينا ويغني فقرنا وأخبرنا بمصالحنا ومضارنا فأخبر أن ذلك بيد الله سبحانه لا بيده.
والمعنى: إني لا أدعي شيئا من هذه الأشياء الثلاثة حتى تجعلوا عدم إجابتي إلى ذلك دليلا على عدم صحة رسالتي ﴿ إن أتبع إلا ما يوحى إلي ﴾ أي ما أتبع فيما أدعوكم إليه إلا وحي الله الذي يوحيه إلي ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير ﴾ أي هل يتساوى الكافر والمؤمن والضال والمهتدي؟ ﴿ أفلا تتفكرون ﴾ تقريع وتوبيخ أي أتسمعون فلا تتفكرون؟ ﴿ وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ﴾ أي خوف يا محمد بهذا القرآن المؤمنين المصدقين بوعد الله ووعيده الذين يتوقعون عذاب الحشر قال أبو حيان: وكأنه قيل: أنذر بالقرآن من يرجى إيمانه وأما الكفرة المعرضون فدعهم ورأيهم ﴿ ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ﴾ أي ليس لهم غير الله ولي ينصرهم ولا شفيع يشفع لهم ﴿ لعلهم يتقون ﴾ أي أنذرهم لكي يتقوا الكفر والمعاصي ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ﴾ أي لا تطرد هؤلاء المؤمنين الضعفاء من مجلسك يا محمد الذين يعبدون ربهم دوما في الصباح والمساء يلتمسون بذلك القرب من الله والدنو من رضاه قال الطبري: نزلت الآية في سبب جماعة من ضعفاء المسلمين قال المشركون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو طردت هؤلاء عنك لغشيناك وحضرنا مجلسك وأراد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك طمعا في إسلامهم ﴿ ما عليك من حسابهم من شيء ﴾ أي لا تؤاخذ بأعمالهم وذنوبهم كقول نوح
إن حسابهم إلا على ربي