فعليه الإيرادات التالية: أولا: لم يحتج بالوليد بن جميع مطلقاً، فقد بينا أنه يضطرب في حديثه، فإذا اضطرب فلا يحتج به كما في هذا الحديث. ثانياً: أن قرنه ليلى بعبدالرحمن بن خلاد ليس شاهداً ولا مقوياً للحديث، ولكن يدل على شدة اضطراب الوليد فيه كما بين سابقاً. وحتى الحاكم مع شدة تساهله لم يصحح هذا الحديث بل أعله بقوله بعد أن أخرجه: وهذه سنة غريبة لا أعرف في الباب حديثاً مسندا غير هذا".
ويزاد على كل ما مضى أن حال الوليد بن جميع لا تسمح له بالتفرد بهذه السنة التي هي الأصل في بابها" انتهى كلامه.
قلت: يا أخي أعط القوس باريها! ما شأنك والحديث تتكلم فيه هكذا بهذه المغالطات! وأقوال تنسبها لأهل العلم لم يفكروا فيها قط!! غفر الله لك.
كان يمكنك الرد على الأستاذ الشنقيطي ونقض تأييده للترابي في هذا اعتماده على هذا الحديث من خلال ما قرره الأئمة العلماء أن هذا الحديث لا يدلّ بحال على أن الإمامة هنا أن تؤم المرأة الرّجال، ولو نظرت إلى تراجم أهل العلم على هذا الحديث لانتهى الأمر، ولما احتجت أن تشرّق وتغرّب في هذا الحديث دون علم.
فإذا أبى الأستاذ الشنقيطي وترابيه فهذا من جهلهما بالحديث وفقهه، فماذا نعمل لهم! فالدنيا الآم ملئية بالأغبياء!! ولا يسعنا الرد على كل أحد، والله المستعان.
وقد تكلّم الأخ حول هذا الحديث وضعفه بأمور:
أولاً: أن "مدار الحديث على مجهولين؛ وهم جدة الوليد بن جميع، وعبدالرحمن بن خلاد، لا يعرف لهم حال. ويرويه عنهما رجل متكلم فيه، وإن كان يستقيم حديثه أحياناً ووثق لدى جماعة من أهل الحديث إلا أنه مغموز عند بعضهم باضطراب الحديث، مما يدل على أنه إذا اضطرب في حديث رد حديثه. وهذا الرواي هو الوليد بن جميع. قال عنه العقيلي: "الوليد بن عبدالله بن جميع الزهري في حديثه اضطراب".
قلت: رواية الصدوق عن رجل ترفع عنه جهالة الحال إذا لم يكن في الحديث نكارة؛ لأن الجهالة في ذلك العصر كانت كثيرة بسبب عدم انتشار الرواية، فمثل ذلك يحتمله أهل العلم، وجدة الوليد على أصل العدالة، وحفيدها أعلم الناس بها، وكذلك عبدالرحمن بن خلاد.
والأخ غمز الوليد فقط بكلام العقيلي، وجمهور أهل العلم على قبول حديثه، فمنهم من وثقه ومنهم من قال بأنه صدوق أو لا بأس به، وقول العقيلي قد أجبنا عنه بأنه يُحتمل أنه قصد ذاك الحديث الذي ذكره في ترجمته. وقد بنى الأخ على قول العقيلي أن هذا الحديث مضطرب، والكلام عليه في الآتي.
ثانياً: دعوى الاضطراب سنداً ومتناً، ونسبة ذلك للإمام أبي داود!
أما دعوى الاضطراب في السند: " فهو يروي الحديث مرة عن جدته، وأحياناً يقرن بها عبدالرحمن بن خلاد"!!
قلت: هذا لا يسمى اضطراباً عند أهل الحديث. فهو قد رواه عن جدته وعن عبدالرحمن معاً في عدة روايات عنه، وأما في الروايات التي أفرد فيها أنه حدث به عن جدته وحدهان أو عن عبدالرحمن وحده، فإن كان هذا منه، فلا اضطراب فيه أيضاً، وإن كان من تصرف الرواة الذين سمعوه منه مقروناً فاقتصروا على واحد، فلا بأس به أيضاً. وهذا ليس باضطراب. والاضطراب أن يرويه على أوجه مختلفة لا يستطيع المحدّث أن يحكم فيه بشيء، وهنا ليس من هذا شيء أبداً.
وليثبت الأخ حقيقة هذا الاضطراب المزعوم أتى برواية أبي داود من طريق وَكِيع بن الْجَرَّاحِ عن الْوَلِيد بن عَبْدِاللَّهِ بنِ جُمَيْعٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِي جَدَّتِي وَعَبْدالرَّحْمَنِ بنُ خَلَّادٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ نَوْفَلٍ الْأَنْصَارِيَّةِ.
ثم برواية أبي داود من طريق مُحَمَّد بن فُضَيْلٍ عَنْ الْوَلِيدِ بنِ جُمَيْعٍ عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ خَلَّادٍ عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَالْأَوَّلُ أَتَمُّ.