وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ أَحْمَدَ بنِ عَلِيٍّ الْمِصِّيصِيُّ، حدثنا أَحْمَدُ بنُ خُلَيْدٍ الْحَلَبِيُّ، قَالَا: حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ، حدثنا الْوَلِيدُ بنُ جُمَيْعٍ، حَدَّثَتْنِي جَدَّتِي، عَنْ أُمِّهَا أُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ عَبْدِاللهِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزُورُهَا، وَسَمَّاهَا الشَّهِيدَةَ، وَكَانَتْ قَدْ جَمَعَتِ الْقُرْآنَ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ غَزَا بَدْرًا، قَالَتْ لَهُ: ائْذَنْ لِي، فَأَخْرَجَ مَعَكُمْ، فَأُدَاوِي جَرْحَاكُمْ، وَأُمَرِّضَ مَرْضَاكُمْ لَعَلَّ اللهَ يُهْدِي لِيَ الشَّهَادَةَ "، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
فهل تابع أحمد بن خليد إسحاق بن الحسن في جعل أم ورقة والدة جدة الوليد؟ قلت: أحمد بن خليد الحلبي رجلٌ صدوق، من شيوخ الطبراني، وقد ذكره ابن حبان في الثقات. وأخشى أن يكون الجمع بين هاتين الروايتين خطأ! فعندما جمع أبو نعيم الروايتين حمل رواية الحلبي على رواية الحربي التي فيها "عن أمها أم ورقة"، وهذا يحصل عند الجمع بين الروايات، وخاصة عند المتأخرين ممن يجمع الروايات كالطبراني وأبي نعيم. وإن لم يكن هناك خطأ في الجمع، فتكون رواية أحمد بن خليد خطأ أيضاً! والعهدة فيها على الراوي عنه!
قال الذهبي في «الميزان» (5/ 138): "علي بن أحمد بن علي المصيصي عن أحمد بن خليد الحلبي ... وعنه البرقاني وأبو نعيم، أرخه ابن أبي الفوارس في سنة أربع وستين وثلاثمائة، وقال: كان فيه تساهل".
ولكن الميل إلى صواب روايته والخلل حصل حينما جمع أبو نعيم بين الروايتين، فساق طريق إسحاق أولاً، ثم قرنها برواية أحمد بن خليد، فساق ما عند الحربي، وهذا يفعله أصحاب المصنفات كثيراً وخاصة المتأخرون - كما أشرنا - دون التحقق مما في بعض الروايات من مخالفة في الإسناد أو المتن.
3 - اتّباع أبي حاتم الرازي وابنه وابن حبان البخاريّ فيما يقوله دون تحقيق!
ترجم الإمام البخاري في «التاريخ الكبير» (7/ 309): "مالك عن أم ورقة. قاله الوليد بن جميع عن ليلى بنت مالك عن أبيها".
وتبعه على ذلك أبو حاتم وابنه وابن حبان. قال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (8/ 218): "مالك روى عن أم ورقة. روت عنه ابنته ليلى بنت مالك. سمعت أبي يقول ذلك".
وقال ابن حبان في «الثقات» (5/ 389): "مالك: شيخٌ يروي عن أم ورقة. روت عنه بنته ليلى بنت مالك".
قلت: اعتمد الإمام البخاري في هذه الترجمة على حديث نصر بن علي الجهضمي عن عبدالله بن داود الخريبي عن الوليد بن جميع. وقد بيّنت فيما سبق أن هذه الرواية خطأ.
وقول البخاري: "قاله الوليد بن جميع" فيه تسمح! لأن الوليد لم يقله، لأن هناك خطأ في الرواية.
وقد تبع أبو حاتم الرازي وابنه وابن حبان البخاريّ في هذه الترجمة - كعادتهم- دون تحقيق.
قال الأخ أبو عبدالإله معلقاً: "قلتُ: قد بينتُ فيما سبق أنّ رواية عبدالله بن داود الخريبي، عن الوليد بن جميع ليست من الأخطاء، ولم يدخلْها التّصحيف، بل هي ثابتة ومحفوظة عنه بتلك الزّيادة ... وأنّ منْ رواها عنه بدونها أو غيّر لفظ "أبيها" فيها إلى "أمها" - إن كانت محفوظة عنه - هو المخطئ. فالوليد بن جميع قد قال في حديثه: "عن ليلى بنت مالك، عن أبيها" والخريبي سمعها منه، وأدّاها كما سمعها .. وليس بين البخاري، والخريبي إلا رجل واحد؛ فهو يروي عنه بواسطة نصر بن علي الجهضمي، ومسدد بن مسرهد .. فيبعدُ جدا أن لا يكون قد سمع هذا الحديث منهما أو من غيرهما ممن سمعه من الخريبي أو يُظُنُّ به أنه إنما وجده في كتابٍ، أو تلقّفه من صحيفة لم يسمعها أويعارضها ويقابلها، ولم يأمن تصحيفها وتحريفها .. !! فيذهب ليثبتَ ما جاء في إسناده من أسماء في "تاريخه الكبير"، الذي حيَر شيوخه قبل أقرانه، وقالوا إن هذا إلا سحر مبين!! بل إنه سمعه من شيوخه تلقيا، أو من أصحابه مذاكرة .. بل ربما اطلع على أصول شيخه: نصر بن علي أو أصول شيخ شيخه الخريبي: ورأى بأم عينيه كيف أثبت الحديث فيها .. والبخاريُّ يحكي في "تاريخه" واقع الرواية؛ فالوليد ثبت عنده أنه قال في حديثه: "حدثتني ليلى بنت مالك، عن أبيها، عن أم ورقة"، فأثبت البخاري لذلك وجود رجل يسمى: "مالك" غير منسوب، روى عن أم ورقة، وروى عنه ابنتهُ ليلى بنت مالك .. ثم أسند ذلك إلى الوليد بن جميع لأنه ثبت عنده بيقين أنه قاله؛ فعلّقه بصيغة الجزم ليس فيه أي تسمح .. ولو شاء أن يُسندَه لقال - وهو الذي يحفظُ الآلاف المؤلّفة-: ثنا نصر بن علي، (أو مسدد بن مسرهد) نا عبدالله بن داود عن الوليد بن جميع به. * فهذا هو واقع الرواية وهو الأمر الذي يهم البخاريّ لما وضع كتابه:"التّاريخ الكبير" .. بل إننا نجده يثبت فيه تراجم كثيرة ثم يعقبها بتوهين الأسانيد التي ذكرت فيها أسماء تلك التراجم فيقول: "ولا يصح" أو: "لا يتابع عليه" أو .. أراد أن يُبين وينصح- لله دره- وقد فعل والله .. *أما صواب الرواية في هذا الحديث؛ أي كيف حدّثتْ به ليلى بنتُ مالك - جدّة الوليد بن جميع - هل قالت: حدثني أبي عن أم ورقة - أم أنها كانت تقول: حدّثتني أم ورقة مباشرة، دون ذكر أبيها - أم أنها كانت ربما ذكرت أباها، وربما لم تذكره فهذا أمر خارج عما كان يرمي إليه البخاري لما صنّف "التاريخ"، هذا أمر اهتم به في كتابه "الجامع الصحيح". انتهى