ثم ما شأن العلو هنا؟ فكتاب الحاكم (ت405هـ) وكتاب ابن خزيمة (ت311هـ)، لا مقارنة بينهما في مسألة العلو، فهما من طبقتان مختلفتان. فكيف نقول: إن رواية ابن خزيمة أعلى من رواية الحاكم؟ بل إن رواية الحاكم فيها علو أكثر من رواية ابن خزيمة، وذلك أن ابن خزيمة والصفار كلاهما رويا هذه الرواية عن الخريبي، وبينهما في الوفاة حوالي (38) سنة، وابن خزيمة توفي عن نحو تسعين، فالعلو في هذا الحديث حقيقة للإمام الصفار.
وأما كتاب ابن خزيمة ففيه أحاديث ضعيفة وعلل، نعم ليس مثل كتاب الحاكم، ولكن هذه الأحاديث الضعيفة والعلل فيهما لا مدخل للحديث الذي نناقشه فيهما من ناحية التحري والضبط وغير ذلك.
وأما قول الأخ:
" .. فإن قيل: يحتمل أن تكون لابن السكن رواية بزيادة: "عن أبيها"، ورواية أخرى بزيادة: "عن أمها"، فنقل الحافظ ذات "الأب" في "النكت" .. ونقل ذات "الأم" في "الإصابة"؟ أقولُ: - هذا بعيدٌ جدّاُ!! لأنّ كُتب الحافظ غالبا ما تتوارد على نفس النّقول .. فنجده يذكر النّقل الواحد في أكثر من كتاب، ويعيد الكلام المذكور في كتابٍ- بحروفه أو معناه - في كتاب آخر إذا اتفقت مناسبة إيراده في الكتابين. - وإن سلّمنا بقرب هذا الاحتمال فيحتمل جدا أن يكون الرّاوي عن الخريبي عند "ابن السكن" هو نفسه الذي رأيناه عند "أبي نعيم" فلا تصح روايته بحال، ولا ندفع بها رواية الجهضمي .. وكيف ندفع روايةً ثابتة مخرّجة في "صحيح ابن خزيمة"، وذكرها الأئمة المتقدّمون البخاري (بترجمة مالك أبي ليلى)، والدَارقطني (علّقها في "علله") بروايةٍ عند ابن السكن، محتملة التّصحيف - بله مصحفة- ومبتورة الأول لم يذكر راويها الذي بمعرفته يتوقف قبولها وردها .. ؟؟!! " انتهى.
فأقول: هذا الفرض لا يخطر ببال يا أخي!! وجوابك عن احتماله هو احتمال كما جاوبنا نحن عن احتمال دفع رواية الجهضمي، فلم تجوِّز لنفسك الاحتمالات ولا تجوّزها لغيرك؟!!
ومن قال لك بأننا ندفع رواية ثابتة مخرجة في صحيح ابن خزيمة؟ وهل كل رواية عنده غير مدفوعة؟!
ونقول لك بالمثل: كيف تدفع رواية ثابتة مخرجة في صحيح الحاكم؟!
وأما ذكر الأئمة لها في ترجمة مالك أبي ليلى فهذا لأنهم يعتمدون على الأسانيد، فإثباتها تبع للإسناد لا من أجل إثبات الرواية ذاتها، فتنبه.
وعلى كل حال: فسواء أكانت رواية ابن خزيمة هي الثابتة أم رواية الحاكم، فإن الخريبي قد خالف غيره من الثقات كوكيع، وهو أثبت منه، فتقدّم روايته على الخريبي، ومن هنا رجحنا رواية الحاكم عن الصفار عن الخريبي التي توافق رواية وكيع، وإن أبيت إلا أن تثبت تلك الرواية التي عند ابن خزيمة فقد حكمت على الخريبي بالوهم سواء بسواء، فهو واهم على طريقتي في روايته لهذا الحديث، فمرة رواه على الصواب، ومرة زاد فيه، وإن وهمنا ما عند الحاكم وأنه لم يحدث به مرة هكذا ومرة هكذا وإنما حدث به مرة واحدة كما عند ابن خزيمة، فلمن تحكم له أم لوكيع؟ وأراك تقول: قد يكون الاضطراب من شيخهما الوليد بن جُميع!! بل هذا ما سيصرح به الأخ فيما بعد من أن الخريبي سمعها كذلك من شيخه الوليد!!
2 - من علل الجمع بين الشيوخ:
مرّ قول ابن حجر السابق في الإصابة: "وأخرجه أبو نعيم من رواية أبي نعيم عن الوليد: حدثتني جدتي عن أمها أم ورقة".
قلت: يشير ابن حجر إلى الرواية التي أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في ((حلية الأولياء)) (2/ 63) من طريق أبي يعقوب إسحاق بن الحسن الحربي، عن أبي نعيم الفضل بن دُكين، عن الوليد بن جميع، قال: حدثتني جدتي، عن أمها أم ورقة.
وقد سبق وبينت أن جماعة رووه عن أبي نعيم عن الوليد، عن جدته، عن أم ورقة. لم يقولوا: "عن أمها أم ورقة".
ورواه أبو نعيم أيضاً في «معرفة الصحابة» (6/ 3572) قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ الْحَسَنِ - وهو الصواف-، حدثنا إِسحَاقُ بنُ الْحَسَنِ الْحَرْبِيُّ. [ح]