وأما عدم ذكر الدارقطني والمزي لرواية "عن أمها" فلا يعني شيئاً، فهما لم يذكرا ما هو الصواب من رواية الخريبي وهو بدون "عن أبيها"، وهو ما رواه أحمد بن يونس الضبي.
وعلى كل حال: فسواء كانت الرواية: "عن أبيها" أو "عن أمها" فهذه زيادة خطأ! والتصحيف فيهما قريب جداً.
والرواية الصواب هي بدون هذه الزيادة كما في رواية أحمد بن يونس عن الخريبي، وهي موافقة لرواية وكيع وغيره عن الوليد بن جميع.
قال الأخ أبو عبدالإله: "قلت: "قوله: يتعيّن أن تكون المشكلة في هذا الإسناد هي من الخريبي نفسه، فزاد في الإسناد "عن أبيها"، فخالف وكيعاً. ووكيع أحفظ منه بكثير" = مبنيٌّ على ترجيح رواية نصر بن عليّ الجهضمي. ولم يذكر لنا في أوّل الكلام كيف رجّحها على رواية مخالِفه؛ أحمد بن يونس، وكلاهما عنده ثقة، متكافئان؟؟ بل ذكر في أول الكلام ما يُشعر بخلافه (عكس ترجيحه) فقال: "نصر بن علي وأحمد بن يونس كلاهما ثقة، ورواية أحمد بن يونس عن الخُريبي موافقة لرواية وكيع"؟ ولا أريد أن أفتح الكلام في مسئلة إذا اختلف ثقتان متكافئان على ثقة .. كيف نتعامل معها؟؟ لكن أريدُ أن أخلصَ إلى: أنّ المحفوظ: عن الخُريبي هو زيادة: "عن أبيها" في إسناده، لأنّ منْ رواه عنه بها أكثر، وأحفظ، ممن لم يروها، أو رواها بلفظ: "عن أمّها .. ". وقد احتفّتْ بروايتهم قرائنٌ تجعلها راجحة ... بينما اكتنف رواية المخالف ملابسات تجعلها مرجوحة .. بل إني أخشى أن يكون الخلاف على الخريبي صوريا، غير قديم، ولا حقيقة له في واقع الرواية .. إنما حدث في العصور المتأخرة. والله أعلم. ولعليّ أعود على كلامي هذا بالتّفسير، والبيان، والتّدليل، إنْ لزم ذلك".
أقول: أنا رجحت رواية أحمد بن يونس على غيره لأنها موافقة لرواية وكيع، والترجيح هنا ليس بين اثنين من الثقات، وإنما الترجيح بما وافق احدهما عن شيخهما الذي اختلف عليه، والزيادة: "عن أبيها" أو "عن أمها" هي من الخريبي. ولهذا رجّحت رواية أحمد التي ليس فيها هذه الزيادة.
والقول بان المحفوظ عن الخريبي هو بهذه الزيادة لأن من رواها عنه أكثر ممن رواها بدونه فيه مخالفة لطريقة أهل النقد! وهذا إنما يتم للمخالف إذا كانت المشكلة ليست في شيخ هؤلاء الرواة، فلما أن ثبت أن الخريبي رواه بالوجهين، فلا نقول بأن المحفوظ هو هذا أو ذاك.
وعلى كلام الأخ تكون رواية أحمد بن يونس خطأ!! فكيف نحكم على روايته بأنها خطأ؟! وروايته هذه ثابتة كما رواها الحاكم، وعنه البيهقي في «السنن الكبرى» (1/ 406). بل إن البيهقي رواه مرة أخرى عن الحاكم (3/ 130) ثم قال: "ورواه وكيع عن الوليد بن عبدالله بن جميع عن جدته. وعبدالرحمن بن خلاد الأنصاري عن أم ورقة بمعنى رواية أبي نُعيم". وكان ساق رواية أبي نعيم الفضل بن دُكين عن الوليد بمثل رواية أحمد بن يونس عن الخريبي عن الوليد.
بل في نفس المكان الذي نقل منه الأخ قريباً من «معرفة السنن والآثار» قال البيهقي: "ورواه عبدالله بن داود الخريبي عن الوليد عن ليلى بنت مالك وعبدالرحمن بن خلاد الأنصاري عن أم ورقة".
وعلى فرض أن ما قاله الأخ صحيح، وأن المحفوظ عن الخريبي بهذه الزيادة، فهي وهم منه؛ لأنه خالف غيره من الثقات مثل وكيع.
قال عبدالرحمن بن أبي حاتم: قلت لأبي، أيهما أحب إليك في الأعمش: وكيع أو عبدالله بن داود الخريبي؟ فقال: "وكيع أحفظ من ابن داود وأحفظ من ابن المبارك".
قلت: وهذا التفضيل مطلق ولا يختص بالسؤال فقط في الأعمش كما هو ظاهر كلامه، سيما وقد أضاف إلى ذلك أنه أحفظ أيضاً من ابن المبارك.
وأما قول المخالف أن الخلاف ليس قديماً وإنما حصل في العصور المتأخرة، فيه نظر! لأن أئمة النقد كالبخاري وغيره ذكروا بعض هذه الاختلافات من خلال التراجم، والمتأخرون إنما يجمعون ما ذكره المتقدمون، والله أعلم.