تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال له : أي سجن أنت فيه وأية جنة أنا فيها ، شيء محير يقول نبيكم :

"عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ"*

(صحيح مسلم)

فأي سجن أنت فيه وأنت على ما أنت عليه من غنى ورفاه وعز وشأن وأي جنة أنا فيها على فقري وشقائي وحرماني وتعاستي ، فأجابه هذا العالِم إجابة أسلم من فوره ، قال له : إنّ حالك هذه التي تشكو منها إذا قيست بما ينتظرك من عذاب أليم فأنت في جنة ، وإنّ حالي التي تراها إذا قيست بما ينتظرني من نعيم مقيم فأنا في سجن ، والحقيقة عندما يتأكد الإنسان أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، إذاً إنّ طبيعة النفس أودع الله فيها الشهوات ، مثلاً الهرة ترغب أن تأكل اللحمة إذا أعطيتها قطعة من اللحم وأمرتها أن توصلها إلى البيت الفلاني ، ماذا تفعل في الطريق ؟ تأكلها ، أولاً لا تعقل ، ليس فيها فكر تفهم كلامك ، وليس عندها قيم لتحافظ على هذه القطعة ، شيء طبيعي نفس الكافر كهذه الهرة ، مشتاقة إلى حاجات حيثما رأى طعاماً يأكله سواء أكان له أو ليس له هذه سرقة ، وحيثما رأى امرأة يشتهيها أكانت تحل له أو لا تحل ، قال تعالى :

( سورة الحجر )

هذا الذي ينساق مع شهواته هو حيوان ، عودة إلى الحيوانية ، دائماً وأبداً أنا أرفض نظرية داروين وأرد عليها إلا في الأيام الأخيرة بدأت أقنع بها لكن على شكل معكوس ، أي أنه كان هذا الإنسان إنساناً فصار قرداً من شدة تهافته على الشهوات ، وانغماسه في الملذات ، وضربه عُرض الطريق بالقيم والمبادئ ، كان إنساناً فصار قرداً ، أي مُسخ قرداً بعد أن كان إنساناً ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

المؤمن نفسه لوامة ، قال تعالى :

( سورة القيامة )

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٢٨٦٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٢٨٦٨