فوصل إلى مكانه واستمر جالسا إلى وقت العشاء لم يطلب منهم شيئا ومثل هذا عجيب وأخبرنى أنه دخل ليلة منزله ووقف في المكان الذى يأوى اليه ولم يشعر أهله بذلك فبقى إلى مقدار نصف الليل فى ظلمة بلا مصباح ولا قهوة ولا غير ذلك مما يحتاج اليه فى السمر مع أنه كان محبا للسمر واذا كانت هذه معاملته لأهله فما ظنك بمعاملته لغيرهم ولا أعلم أنه غضب قط أو خاصم فى شئ منذ عرفته إلى أن مات وليس له نظير فى حفظ الأشعار لأهل الجاهلية والاسلام وحفظ الأخبار التى لا يدرى بشئ منها غالب أهل العصر ومع هذا فانه يحضر مواقف الاجتماع فيتحدث متحدث بخبر من الاخبار فيزيد وينقص ويغلط ويصحف ويحرف وهو مصغ اليه مقبل عليه كأن لا يعرف من ذلك شيئا فاذا فرغ ذلك المتحدث من حديثه استحسنه صاحب الترجمة وسكت ولا يستدرك عليه فى شئ مع أنه يعلم بتفصيل ذلك الخبر وصحيحه وفاسده اللهم إلا أن يسأله سائل عن تلك الحكاية أو يسترشد منه الحاكى فانه حينئذ يمليها بعبارة عذبة ويصوغها بألفاظ فصيحة واذا كانت مشتملة على شئ من الشعر ذكره لا يغادر منه شيئا حتى يخجل حاكى تلك القضية ويندم على اقدامه وهكذا اذا روى أحد من هو بحضرته شيئا من الشعر أصغى اليه وقد لا يدرى ذلك الراوي لمن الشعر وقد يصحف فى بعضه وقد لا يحفظ إلا شيئا يسيرا من القصيدة وصاحب الترجمة ساكت لا يتكلم فاذا سأله سائل عن ذلك روى تلك القصيدة من أولها إلى آخرها وذكر السبب الذى قيلت لأجله وترجم لقائلها ترجمة لا يدع من أحواله شيئا وقل أن يجرى بحضرته شئ لا يعرفه وهو قليل التكلف مائل إلى الخمول ليس له
البدر الطالع · الجزء ١ · الصفحة ٤١٧
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
البدر الطالعج ١ · ص ٤١٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي