تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وخلق منها زوجها..

[النساء: 1]. وقال الرسول صلى الله عليه وسلم:

" خلقت المراة من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه "

وكما شرف آدم بأن الله خلقه وسواه بيده، كذلك شرفت حواء أنها خلقت من شيء خلقه الله بيده. والعالم الآن مشغول بعملية الاستنساخ، وهو يعني أن نأخذ من الأصل نسخة مطابقة له، كما نقول نسخ الكتاب. يعني: أن نأتي منه بصورة أخرى مثله، وهذه العملية نراها في الجماد مثلا، نرى الزلط منه الكبير والصغير والمتوسط، فهل رأينا زلطة مثلا تكبر عن حجمها أبدا، لماذا؟ قالوا: لأن له مطامر تحت الأرض، تتم فيها عملية التكاثر أو الاستنساخ هذه، فإذا خرج إلى الهواء جمد على ما هو عليه. كذلك نجده في النبات، فهل رأيتم مثلا تقاوي القصب أو التين البرشومي؟ أبدا ليس له تقاوي، إنما نأخذ عقلة من عود القصب ونزرعها فتخرج عود القصب، ونأخذ لوحا من ألواح التين ونزرعه فيعطينا شجرة تين، أليس هذا استنساخا؟ كذلك بالإمكان أن نجده في الحيوان، وبالفعل تحدثوا عن استنساخ تم بالفعل في الحيوان، كما حدث في النعجة دوللي. وهي محاولة على أية حال. أما في الإنسان فهي عملية لا يقدر أحد عليها، لأن الإنسان مختلف عن باقي أجناس الكون، لأنه خليفة الله في الأرض، وهو المخلوق المكرم وباقي الأجناس في خدمته، فلو تصورنا الاستنساخ في الجماد والنبات والحيوان فلا نتصوره أبدا في الإنسان، لأن التكاثر فيه له شروط وضوابط لا مجرد استخراج نسخ مكررة منه.

لذلك لا يتم التكاثر في الإنسان إلا من خلال اللقاء بين الزوجين الذكر والأنثى، وداخل أسرة تحتضن الطفل وتحبه وتربيه وتعتني به، لا يليق بالإنسان أن يخرج من مفرخة مثل مفرخة الكتاكيت مثلا. لذلك نرى أن طفولة الإنسان هي أطول طفولة في المخلوقات كلها، وعندنا من الأطفال من تبلغ طفولته حتى سن 14 سنة، أما الطيور والحيوانات فتعتني بصغارها حتى تستطيع الحركة والأكل ثم تتركها وكأنها لا تعرفها، وربما ذبح الحيوان أمام أمه وهي لا تدرى به. فكيف إذن نتصور الاستنساخ في الإنسان وهو الخليفة المكرم، إن الأديان كلها ترفض الزنا وتأبى أن يأتي الولد بطريق غير شرعي، تأبى أن يرمى المولود في الشارع، أو حتى يربى في الملاجىء، فكيف الحال إذا تم استنساخه؟ من هنا نقول: إن عملية الاستنساخ لا تكون أبدا في الإنسان، ولا يقدر عليها إلا الله خالق الإنسان، ويريد له الصلاح، يريد له أن يأتي في أحضان أب يرعاه وأم تحنو عليه يأخذ منهما الفضائل، ويتعلم منهما القيم. ثم إن نجاحهم في استنساخ الحيوان لا يعني أبدا الطعن في القدرة الإلهية، بل هو دليل جديد من أدلة الإيمان بالقدرة، فالذي استنسخ النعجة لم يأت بها من العدم، إنما جاء بها من نعجة أخرى هي خلق من خلق الله، والعقل الذي فكر خلق من خلق الله. ثم يضع الحق سبحانه القاعدة التي بها تتفاضل هذه الشعوب وهذه القبائل، فيقول: ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم.. ﴾ [الحجرات: 13] أي: أن أشخاص الشعوب تتميز بالتقوى. لذلك ورد في الحديث القدسي:

" يقول الرب: جعلت لكم نسبا وجعلتم لأنفسكم نسبا، قلت: إن أكرمكم عند الله أتقاكم فأبيتم، وقلتم: فلان بن فلان. فاليوم - يعني: يوم القيامة - أرفع نسبي وأضع أنسابكم ".

وقوله: ﴿ إن الله عليم خبير ﴾ [الحجرات: 13] عليم بخلقه، يعطي كلا منهم ما يناسب مهمته ودوره في حركة الحياة، كما قال سبحانه:

ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير

[الملك: 14]. فالله أعلم بخلقه وأعلم بقدراتهم ومقدارهم، ويسر كلا منهم للعمل الذي يناسبه، لذلك نراهم طبقات فيهم أستاذ الجامعة، وفيهم الحداد والسباك والنجار وماسح الأحذية فيهم الصانع والزارع، وإلا كيف تستقيم حركة الحياة لو أن الناس جميعا ذكاترة جامعة؟

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٥٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٥٧٨