تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

***

نشأت منذ صغري وأبي يصلى ويتلو القرآن ولكن قبل وفاته بحوالي خمس سنوات قطع الصلاة نهائيا وهو قادر أنا أريد الآن أن أحج عنه هل هذا يجوز؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا ينظر في سبب قطعه للصلاة لأن الظاهر من حال هذا الرجل الذي كان يقرأ القرآن ويصلى ويصوم الظاهر أنه لم يدع الصلاة إلا لسبب فقد يكون هذا الرجل اختل عقله وصار لا يطيق الصلاة ولا يحس بها وفي هذه الحال لا تجب عليه الصلاة إذا كان قد اختل عقله ولا يشعر ولا يدري لقول النبي صلى الله عليه وسلم (رفع القلم عن ثلاثة وذكر منهم المجنون حتى يفيق) أما إذا كان ترك الصلاة ومعه تمييزه وعقله فإنه حينئذ يكون كافرا والعياذ بالله وإذا كان كافرا فإنه لا يجوز الحج عنه ولا الدعاء له لقول الله تعالى (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) فإن قال قائل هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء أعني مسألة ترك الصلاة هل يكفر الإنسان بذلك أم لا فجوابه أن نقول نعم هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم هل يكفر تارك الصلاة أم لا ولكن الميزان كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لقول الله تعالى (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) ولقوله تعالى (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله) وإذا رددنا هذه المسألة أعني مسألة تكفير تارك الصلاة إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ونحن لا نعتقد لا قول هؤلاء ولا قول هؤلاء وإنما ننظر إلى مقتضى الدليل فإن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة والنظر الصحيح كل هذه الأربعة تدل على أن تارك الصلاة كافر أما القرآن فقال الله تعالى في المشركين (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين) فاشترط للأخوة في الدين ثلاثة شروط التوبة من الشرك وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ومن المعلوم أن الحكم المشروط بشيء لا يتم إلا باجتماع شروطه فلا تتم الأخوة في الدين إلا بهذه الثلاثة التوبة من الشرك وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فإن بقوا مشركين فليسوا إخوة لنا في الدين وإن أسلموا ولكن تركوا الصلاة فليسوا إخوة لنا في الدين وإن أسلموا وأقاموا الصلاة ولم يؤتوا الزكاة فليسوا إخوة لنا في الدين ولا تنتفي الأخوة في الدين إلا بالكفر لأن المعاصي مهما عظمت لا تخرج الإنسان من أخوة الدين كما قال الله تعالى في القتل العمد وهو من أعظم الذنوب (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان) فقال فمن عفي له من أخيه شيء والقاتل فاعل كبيرة عظيمة ومع هذا لم يخرج من الأخوة الإيمانية وقال الله تعالى في الطائفتين المقتتلتين (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (9) إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم) والقتال بين المؤمنين من أعظم الكبائر حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال لأنه كان حريصا على قتل صاحبه) وقال عليه الصلاة والسلام (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) وقال صلى الله عليه وسلم (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض) ومع كونه من أعظم الذنوب وأطلق عليه الشارع الكفر فإنه لا يخرج من الدائرة الإيمانية لقول الله تعالى (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم) وترك الصلاة وترك إيتاء الزكاة كما في آية التوبة التي صدرنا بها الجواب مخرج عن الدائرة الإيمانية لأن الله اشترط للأخوة هذه الشروط الثلاثة إن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإن قال قائل هل تقول بتكفير مانع الزكاة فالجواب قد قيل بذلك أي أن مانع الزكاة بخلا يكفر وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله لكن القول الراجح أنه لا يكفر لحديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي رواه مسلم في صحيحه قال النبي صلى الله عليه وسلم (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار ويحمى عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) وكونه يرى سبيلا إلى الجنة يدل على أنه ليس بكافر فيقال إن إيتاء الزكاة دلت السنة على أنه إن لم يقم به فليس بكافر والسنة كما هو معلوم لأهل العلم تخصص القرآن وتقيده وتفسره وتبينه أما الدليل من السنة على أن تارك الصلاة كافر فما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) وما رواه بريدة بن الحصيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) أخرجه أهل السنن هذان الحديثان يدلان على كفر تارك الصلاة ووجه ذلك لفظ البينية الدالة على الانفصال انفصال الشرك من الإيمان وأن هذا هو الحد الفاصل فمن أقام الصلاة فهو في جانب الإيمان ومن تركها فهو في جانب الكفر والشرك ومن أقام الصلاة فهو من المسلمين ومن لم يقمها فهو من الكافرين (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) وأما أقوال الصحابة رضي الله عنهم فقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه (لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة) حظ أي نصيب وهو منفي بلا النافية للجنس الدالة على العموم وإذا انتفى الحظ القليل والكثير في الإسلام لم يبق إلا الكفر وقد قال عبد الله بن شقيق رحمه الله وهو من التابعين (كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة) وأما النظر الصحيح وهو الدليل الرابع فإنه يقال كيف نقول لشخص محافظ على ترك الصلاة لا يصلى وهو يسمع النداء ويرى المسلمين يقومون بالصلاة وهو غير مبال بها ولا مكترث بها كيف نقول لمن هذه حاله إنه مسلم هذا من أبعد ما يكون فالنظر الصحيح يدل على كفر هذا الرجل وإن قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وليس كل من قال لا إله إلا الله محمدا رسول الله يكون مسلما فلو قال أحد لا إله إلا الله محمدا رسول الله وكفر بآية من القرآن أو بحكم من أحكام الله عز وجل وهو يعلم أنه من أحكام الله فهو كافر فإن قال قائل أفلا يمكن حمل الحديث (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) على أن المراد بذلك كفر النعمة فالجواب هذا لا يصح بما أشرنا إليه من قبل وهو كلمة البينية فإن كلمة بين تعتبر حدا فاصلا لا يمكن أن يختلط هذا بهذا إطلاقا والبينية المطلقة تدل على التباين المطلق فترك الصلاة مباين للإسلام لا يمكن أن يكون الإنسان مسلما وهو تارك لصلاته فإن قال قائل أفلا يمكن أن نحمل النصوص الدالة على الكفر على أن المراد من تركها جاحدا لها فجوابه أن هذا لا يمكن لأن مجرد جحد الصلاة كفر سواء فعلها أم لم يفعلها فلو أن أحدا كان يحافظ على الصلاة ويأتي بها مع الجماعة ولكنه يعتقد أنها ليست بفرض وأن الإنسان مخير فيها إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعل فإنه كافر ومع ذلك فهو لم يتركها وحمل النصوص على أن المراد به الجحد لا يصح من ثلاثة وجوه:

فتاوى نور على الدرب · الجزء ٨ · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتاوى نور على الدربج ٨ · ص ٤٢