تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

58.11-22

المناسبة: لما نهى تعالى عباده المؤمنين عما يكون سببا للتباغض والتنافر، أمرهم بما يصير سببا لزيادة المحبة والمودة، وهو التوسع في المجالس بأن يفسح بعضهم لبعض، ثم حذر من موالاة أعداء الله، وختم السورة الكريمة ببيان أوصاف المؤمنين الكاملين.

اللغة: ﴿ تفسحوا ﴾ توسعوا يقال: فسح له في المجلس أي وسع له، ومنه مكان فسيح أي واسع ﴿ انشزوا ﴾ انهضوا وارتفعوا يقال: نشز ينشز إذا تنحى من مجلسه وارتفع منه، وأصله من النشز وهو ما ارتفع من الأرض ﴿ جنة ﴾ بضم الجيم وقاية ﴿ استحوذ ﴾ استولى وغلب على عقولهم ﴿ الأذلين ﴾ الأذلاء المغمورين في الذل والهوان.

سبب النزول: أ- عن مقاتل قال:

" كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر فيهم " ثابت بن قيس " وقد سبقوا إلى المجلس، فقاموا حيال النبي صلى الله عليه وسلم على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم فلم يفسحوا لهم، فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فقال لمن حوله - من غير أهل بدر - قم يا فلان، قم يا فلان، بعدد الواقفين من أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم من مجلسه، وطعن المنافقون في ذلك وقالوا: ما عدل مع هؤلاء، قوم أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب منه فأقامهم وأجلس من أبطأ عنه!! فأنزل الله تعالى ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم.. ﴾ "

الآية.

ب - عن ابن عباس قال: " إن الناس سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثروا عليه حتى شق ذلك عليه صلى الله عليه وسلم فأراد الله أن يخفف عن نبيه ويثبطهم عن ذلك فأنزل الله ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة.. ﴾ الآية فلما نزلت جبن كثير من المسلمين وكفوا عن المسألة.

ج - قال السدي:

" كان " عبد الله بن نبتل " المنافق يجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرفع حديثه إلى اليهود، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرة من حجراته إذ قال يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعيني شيطان، فدخل عبد الله بن نبتل - وكان أزرق العينين فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فحلف بالله ما فعل ذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: بل فعلت، فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه فأنزل الله ﴿ ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون ﴾ ".

التفسير: ﴿ يأيها الذين آمنوا ﴾ نداء من الله تعالى للمؤمنين بأكرم وصف وألطف عبارة أي يا من صدقتم الله ورسوله وتحليتم بالإيمان الذي هو زينة الإنسان ﴿ إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا ﴾ أي إذا قال لكم أحد توسعوا في المجالس - سواء كان مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم أو غيره من المجالس - فتوسعوا وافسحوا له ﴿ يفسح الله لكم ﴾ أي يوسع لكم ربكم في رحمته وجنته قال مجاهد: كانوا يتنافسون في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فأمروا أن يفسح بعضهم لبعض قال الخازن: أمر الله المؤمنين بالتواضع وأن يفسحوا في المجلس لمن أراد الجلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم ليتساوى الناس في الأخذ من حظهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الحديث

" لا يقيمن أحدكم رجلا من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن توسعوا وتفسحوا يفسح الله لكم "

قال الإمام الفخر: وقوله ﴿ يفسح الله لكم ﴾ مطلق في كل ما يطلب الناس الفسحة فيه في المكان، والرزق، والصدر، والقبر، والجنة، واعلم أن الآية دلت على أن كل من وسع على عباد الله أبواب الخير والراحة وسع الله عليه خيرات الدنيا والآخرة وفي الحديث

" لايزال الله في عون العبد ما زال العبد في عون أخيه "

﴿ وإذا قيل انشزوا فانشزوا ﴾ أي وإذا قيل لكم أيها المؤمنون انهضوا من المجلس وقوموا لتوسعوا لغيركم فارتفعوا منه وقوموا قال ابن عباس: معناه إذا قيل لكم ارتفعوا فارتفعوا قال في البحر: أمروا أولا بالتفسح في المجلس، ثم ثانيا بامتثال الأمر فيه إذا أمروا، وألا يجدوا في ذلك غضاضة ﴿ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ﴾ أي يرفع الله المؤمنين بامتثال أوامره وأوامر رسوله، والعالمين منهم خاصة أعلى المراتب، ويمنحهم أعلى الدرجات الرفيعة في الجنة قال ابن مسعود: مدح الله العلماء في هذه الآية ثم قال: يا أيها الناس افهموا هذه الآية ولترغبكم في العلم فإن الله يقول يرفع المؤمن العالم فوق المؤمن الذي ليس بعالم درجات وقال القرطبي: بين في هذه الآية أن الرفعة عند الله بالعلم والإيمان، لا بالسبق إلى صدور المجالس، وفي الحديث

صفوة التفاسير · الصفحة ٧١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٧١٢