تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. ﴿ إن الذين يحآدون ﴾ ولما ذكر المؤمنين الواقفين عند حدوده، ذكر المحادين المخالفين لها فقال ﴿ إن الذين يحآدون الله ورسوله ﴾ أي يخالفون أمر الله ورسوله، ويعادون الله ورسوله قال أبو السعود: أي يعادونهما ويشاقونهما لأن كلا من المتعاديين في حد وجهة غير حد الآخر وجهته، وإنما ذكرت المحادة هنا دون المعاداة والمشاقة لمناسبة ذكر " حدود الله " فكان بينهما من حسن الموقع ما لا غاية وراءه ﴿ كبتوا كما كبت الذين من قبلهم ﴾ أي خذلوا وأهينوا كما خذل من قبلهم من المنافقين والكفار الذين حادوا الله ورسله وأذلوا وأهينوا ﴿ وقد أنزلنآ آيات بينات ﴾ أي والحال أنا قد أنزلنا آيات واضحات، فيها الحلال والحرام، والفرائض والأحكام ﴿ وللكافرين عذاب مهين ﴾ أي وللكافرين الذين جحدوها ولم يعملوا بها عذاب شديد يهينهم ويذهب عزهم قال الصاوي: وقد نزلت هذه الآية في كفار مكة يوم الأحزاب حين أرادوا التحزب على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمقصود بها تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم وبشارته مع المؤمنين بأن أعداءهم المتحزبين سيذلون ويخذلون ويفرق جمعهم فلا تخشوا بأسهم ﴿ يوم يبعثهم الله جميعا ﴾ أي اذكر ذلك اليوم الرهيب حين يحشر الله المجرمين كلهم في صعيد واحد ﴿ فينبئهم بما عملوا ﴾ أي فيخبرهم بما ارتكبوا في الدنيا من جرائم وآثام ﴿ أحصاه الله ونسوه ﴾ أي ضبطه الله وحفظه عليهم في صحائف أعمالهم، بينما هم نسوا تلك الجرائم لاعتقادهم أن لا حساب ولا جزاء ﴿ والله على كل شيء شهيد ﴾ أي وهو جل وعلا مطلع وناظر لا يغيب عنه شيء، ولا يخفى عليه شيء.. ثم بين تعالى سعة علمه، وإحاطته بجميع الأشياء، وأنه تعالى يرى الخلق ويسمع كلامهم ويرى مكانهم حيث كانوا وأين كانوا فقال ﴿ ألم تر أن الله يعلم ما في السموت وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ﴾ أي ألم تعلم أيها السامع العاقل أن الله مطلع على كل ذرة في الكون، لا يغيب عنه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يخفى عليه سر ولا علانية، ما يقع من حديث وسر بين ثلاثة أشخاص إلا كان الله رابعهم بعلمه ومشاركا لهم فيما يتحدثون ويتهامسون به في خفية عن الناس.

﴿ ولا خمسة إلا هو سادسهم ﴾ أي ولا يقع مناجاة وحديث بالسر بين خمسة أشخاص إلا كان الله معهم بعلمه حتى يكون هو سادسهم ﴿ ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ﴾ أي ولا أقل من ذلك العدد ولا أكثر منه إلا والله معهم يعلم ما يجري بينهم من حديث ونجوى، والغرض: أنه تعالى حاضر مع عباده، مطلع على أحوالهم وأعمالهم، وما تهجس به أفئدتهم، لا يخفى عليه شيء من أمور العباد، ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم ﴾ أي ثم يخبرهم تعالى بما عملوا من حسن وسيء ويجازيهم عليه يوم القيامة، لأنه عالم بكل شيء من الأشياء قال المفسرون: ابتدأ الله هذه الآيات بالعلم بقوله ﴿ ألم تر أن الله يعلم ﴾ واختتمها بالعلم بقوله ﴿ إن الله بكل شيء عليم ﴾ لينبه إلى إحاطة علمه جل وعلا بالجزئيات والكليات، وأنه لا يغيب عنه شيء في الكائنات لأنه قد أحاط بكل شيء علما، قال ابن كثير: وقد حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بالمعية في هذه الآية ﴿ إلا هو معهم ﴾ معية علمه تعالى، ولا شك في إرادة ذلك، فسمعه مع علمه محيط بهم، وبصره نافذ فيهم، فهو سبحانه مطلع على خلقه لا يغيب عنه من أمورهم شيء.. ثم أخبر تعالى عن أحوال اليهود والمنافقين فقال: ﴿ ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ﴾ قال القرطبي: نزلت في اليهود والمنافقين كانوا يتناجون فيما بينهم وينظرون للمؤمنين ويتغامزون بأعينهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاهم عن النجوى فلم ينتهوا فنزلت ﴿ ثم يعودون لما نهوا عنه ﴾ أي ثم يرجعون إلى المناجاة التي نهوا عنها قال أبو السعود: والهمزة ﴿ ألم تر ﴾ للتعجيب من حالهم، وصيغة المضارع ﴿ ثم يعودون ﴾ للدلالة على تكرر عودهم وتجدده واستحضار صورته العجيبة ﴿ ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول ﴾ أي ويتحدثون فيما بينهم بما هو إثم وعدوان ومخالفة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم لأن حديثهم يدور حول المكر والكيد بالمسلمين، قال أبو حيان: بدأ بالإثم لعمومه، ثم بالعدوان لعظمته في النفوس إذ هي ظلامات العباد، ثم ترقى إلى ما هو أعظم وهو معصية الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي هذا طعن على المنافقين إذ كان تناجيهم في ذلك ﴿ وإذا جآءوك حيوك بما لم يحيك به الله ﴾ أي وإذا حضروا عندك يا محمد حيوك بتحية ظالمة لم يشرعها الله ولم يأذن فيها، وهي قولهم " السام عليكم " أي الموت عليكم قال المفسرون:

صفوة التفاسير · الصفحة ٧١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٧١٠