ونحشر المجرمين يومئذ زرقا
[طه: 102] وقوله
يوم تبيض وجوه وتسود وجوه
[آل عمران: 106] ﴿ فيؤخذ بالنواصي والأقدام ﴾ أي فتأخذ الملائكة بنواصيهم أي بشعور مقدم رءوسهم وأقدامهم فيقذفونهم في جهنم قال ابن عباس: يؤخذ بناصية المجرم وقدميه فيكسر كما يكسر الحطب ثم يلقى في النار ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ تقدم تفسيره ﴿ هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون ﴾ أي يقال لهم تقريعا وتوبيخا: هذه النار التي أخبرتم بها فكذبتم قال ابن كثير: أي هذه النار التي كنتم تكذبون بوجودها، ها هي حاضرة تشاهدونها عيانا ﴿ يطوفون بينها وبين حميم آن ﴾ أي يترددون بين نار جهنم وبين ماء حار بلغ النهاية في الحرارة قال قتادة: يطوفون مرة بين الحميم، ومرة بين الجحيم، والجحيم النار، والحميم الشراب الذي انتهى حره ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ أي فبأي نعم الله تكذبان يا معشر الإنس والجان؟.
55.46-78
المناسبة: لما ذكر تعالى أحوال أهل النار، ذكر ما أعده للمؤمنين الأبرار من الجنان والولدان والحور الحسان، ليتميز الفارق الهائل بين منازل المجرمين ومراتب المتقين، على طريقة القرآن في الترغيب والترهيب.
اللغة: ﴿ أفنان ﴾ جمع فنن وهو الغصن قال الشاعر يصف حمامة:
رب ورقاء هتوف في الضحى
ذات شدو صدحت في فنن
ذكرت إلفا ودهرا خاليا
فبكت شوقا فهاجت حزني
﴿ وإستبرق ﴾ ما غلظ من الديباج وخشن ﴿ وجنى ﴾ الجنى: ما يجتنى من الشجر ويقطف ﴿ يطمثهن ﴾ الطمث: الجماع المؤدي إلى خروج دم البكر ثم أطلق على كل جماع، ومعنى ﴿ لم يطمثهن ﴾ أي لم يصبهن بالجماع قبل أزواجهن أحد قال الفراء: الطمث الافتضاض وهو النكاح بالتدمية ﴿ مدهآمتان ﴾ سوداوان من شدة الخضرة، والدهمة في اللغة السواد ﴿ نضاختان ﴾ فوارتان بالماء لا تنقطعان ﴿ عبقري ﴾ طنافس جمع عبقرية أي طنفسة ثخينة فيها أنواع النقوش قال الفراء: العبقري الطنافس الثخان منها وقال أبو عبيد: كل ثوب وشي عند العرب فهو عبقري منسوب إلى أرض يعمل فيها الوشي قال ذو الرمة:
حتى كأن رياض القف ألبسها
من وشي عبقر تجليل وتنجيد
التفسير: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ أي وللعبد الذي يخاف قيامه بين يدي ربه للحساب جنتان: جنة لسكنه، وجنة لأزواجه وخدمه، كما هي حال ملوك الدنيا حيث يكون له قصر ولأزواجه قصر قال القرطبي: وإنما كانتا اثنتين ليضاعف له السرور بالتنقل من جهة إلى جهة وقال الزمخشري: جنة لفعل الطاعات، وجنة لترك المعاصي وفي الحديث
" جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم عز وجل إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن "
﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ ثم وصف تعالى الجنتين فقال ﴿ ذواتآ أفنان ﴾ أي ذواتا أغصان متفرعة وثمار متنوعة قال في البحر: وخص الأفنان - وهي الغصون - بالذكر لأنها التي تورق وتثمر، ومنها تمتد الظلال وتجنى الثمار ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ أي فبأي نعم الله الجليلة تكذبان يا معشر الإنس والجن ﴿ فيهما عينان تجريان ﴾ أي في كل واحدة من الجنتين عين جارية، تجري بالماء الزلال كقوله تعالى
فيها عين جارية
[الغاشية: 12] قال ابن كثير: أي تسرحان لسقي تلك الأشجار والأغصان، فتثمر من جميع الألوان قال الحسن: تجريان بالماء الزلال إحداهما التسنيم، والأخرى السلسبيل ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ تقدم تفسيره ﴿ فيهما من كل فاكهة زوجان ﴾ أي فيهما من جميع أنواع الفواكه والثمار صنفان: معروف، وغريب لم يعرفوه في الدنيا قال ابن عباس: ما في الدنيا ثمرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى الحنظل، إلا أنه حلو، وليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ تقدم تفسيره قال الفخر الرازي: إن قوله تعالى ﴿ ذواتآ أفنان ﴾ و ﴿ فيهما عينان تجريان ﴾ و ﴿ فيهما من كل فاكهة زوجان ﴾ كلها أوصاف للجنتين المذكورتين، وإنما فصل بين الأغصان والفواكه بذكر العينين الجاريتين على عادة المتنعمين، فإنهم إذا دخلوا البستان لا يبادرون إلى أكل الثمار، بل يقدمون التفرج على الأكل، مع أن الإنسان في بستان الدنيا لا يأكل حتى يجوع ويشتهي شهوة شديدة فكيف في الجنة!! فذكر تعالى ما يتم به النزهة وهو خضرة الأشجار، وجريان الأنهار، ثم ذكر ما يكون بعد النزهة وهو أكل الثمار، فسبحان من يأتي بالآيات بأحسن المعاني في أبين المباني ﴿ متكئين على فرش بطآئنها من إستبرق ﴾ أي مضطجعين في جنان الخلد على فرش وثيرة بطائنها من ديباج - وهو الحرير السميك - المزين بالذهب، وهذا يدل على نهاية شرفها لأن البطانة إذا كانت بهذا الوصف فما بالك بالظهارة؟ قال ابن مسعود: هذه البطائن فكيف لو رأيتم الظواهر؟ وقال ابن عباس: لما سئل عن الآية: ذلك مما قال الله تعالى