مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون
[العنكبوت: 65] ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ أي فبأي نعمة من نعم الله تكذبان؟ ﴿ كل من عليها فان ﴾ أي كل من على وجه الأرض من الإنسان والحيوان هالك وسيموت ﴿ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ﴾ أي ويبقى ذات الله الواحد الأحد، ذو العظمة والكبرياء والإنعام والإكرام كقوله
كل شيء هالك إلا وجهه
[القصص: 88] قال ابن عباس: الوجه عبارة عن الله جل وعلا الباقي الدائم قال القرطبي: ووجه النعمة في فناء الخلق التسوية بينهم في الموت ومع الموت تستوي الأقدام، والموت سبب النقلة من دار الفناء إلى دار الثواب والجزاء ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ أي فبأي نعمة من نعم الله تكذبان ﴿ يسأله من في السموت والأرض ﴾ أي يفتقر إليه تعالى كل من في السماوات والأرض، ويطلبون منه العون والرزق بلسان المقال أو بلسان الحال ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ أي كل ساعة ولحظة هو تعالى في شأن من شئون الخلق، يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع قوما، ويضع آخرين قال المفسرون: هي شئون يبديها ولا يبتديها أي يظهرها للخلق ولا ينشئها من جديد لأن القلم جف على ما كان وما سيكون إلى يوم القيامة، فهو تعالى يرفع من يشاء ويضع من يشاء، ويشفي سقيما ويمرض سليما، ويعز ذليلا ويذل عزيزا، ويفقر غنيا ويغني فقيرا قال مقاتل: إن الآية نزلت في اليهود قالوا: إن الله تعالى لا يقضي يوم السبت شيئا، فرد الله عليهم بذلك ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ أي فبأي نعم الله الجليلة تكذبان أيها الإنس والجان؟ ﴿ سنفرغ لكم أيه الثقلان ﴾ أي سنحاسبكم على أعمالكم يا معشر الإنس والجن قال ابن عباس: هذا وعيد من الله تعالى للعباد، وليس بالله تعالى شغل وهو فارغ قال في البحر: أي ننظر في أموركم يوم القيامة، لا أنه تعالى كان له شغل فيفرغ فيه، وجرى هذا على كلام العرب يقول الرجل لمن يتهدده: سأفرغ لك أي سأتجرد للانتقام منك من كل ما شغلني وقال البيضاوي: أي سنتجرد لحسابكم وجزائكم يوم القيامة، وفيه تهديد مستعار من قولك لمن تهدده: سأفرغ لك، فإن المتجرد للشيء يكون أقوى عليه، وأجد فيه، والثقلان: الإنس والجن سميا بذلك لثقلهما على الأرض ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ تقدم تفسيره ﴿ يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموت والأرض فانفذوا ﴾ أي إن قدرتم أن تخرجوا من جوانب السماوات والأرض هاربين من الله، فارين من قضائه فأخرجوا منها، وخلصوا أنفسكم من عقابه، والأمر للتعجيز ﴿ لا تنفذون إلا بسلطان ﴾ أي لا تقدرون على الخروج إلا بقوة وقهر وغلبة، وأنى لكم ذلك؟ قال ابن كثير: معنى الآية أنكم لا تستطيعون هربا من أمر الله وقدره، بل هو محيط بكم لا تقدرون على التخلص من حكمه، أينما ذهبتم أحيط بكم، وهذا في مقام الحشر حيث الملائكة محدقة بالخلائق سبع صفوف من كل جانب، فلا يقدر أحد على الذهاب إلا بسلطان أي إلا بأمر الله وإرادته
يقول الإنسان يومئذ أين المفر
[القيامة: 10]؟ وهذا إنما يكون في القيامة لا في الدنيا بدليل قوله تعالى بعده ﴿ يرسل عليكما شواظ من نار ﴾ ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾؟ تقدم تفسيره ﴿ يرسل عليكما شواظ من نار ﴾ أي يرسل عليكما يوم القيامة لهب النار الحامية ﴿ ونحاس ﴾ أي ونحاس مذاب يصب فوق رءوسكم قال مجاهد: هو الصفر المعروف يصب على رءوسهم يوم القيامة وقال ابن عباس: ﴿ نحاس ﴾ هو الدخان الذي لا لهب فيه، وقول مجاهد أظهر ﴿ فلا تنتصران ﴾ أي فلا ينصر بعضكم بعضا، ولا يخلصه من عذاب الله قال ابن كثير: ومعنى الآية لو ذهبتم هاربين يوم القيامة لردتكم الملائكة وزبانية جهنم، بإرسال اللهب من النار والنحاس المذاب عليكم لترجعوا فلا تجدون لكم ناصرا ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ تقدم تفسيره ﴿ فإذا انشقت السمآء ﴾ أي فإذا انصدعت يوم القيامة لتنزل الملائكة منها لتحيط بالخلائق من كل جانب ﴿ فكانت وردة كالدهان ﴾ أي فكانت مثل الورد الأحمر من حرارة النار، ومثل الأديم الأحمر أي الجلد الأحمر قاله ابن عباس: وذلك من شدة الهول، ومن رهبة ذلك اليوم العظيم ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ تقدم تفسيره ﴿ فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن ﴾ أي ففي ذلك اليوم الرهيب يوم تنشق السماء، لا يسأل أحد من المذنبين من الإنس والجن عن ذنبه، لأن للمذنب علامات تدل على ذنبه كاسوداد الوجوه، وزرقة العيون قال الإمام الفخر: لا يسأل أحد عن ذنبه، فلا يقال له: أنت المذنب أو غيرك؟ ولا يقال: من المذنب منكم؟ بل يعرفون بسواد وجوههم وغيره ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ تقدم تفسيره ﴿ يعرف المجرمون بسيماهم ﴾ أي يعرف يوم القيامة أهل الإجرام بعلامات تظهر عليهم وهي ما يغشاهم من الكآبة والحزن قال الحسن: سواد الوجه وزرقة الأعين كقوله تعالى