تنبيه: قال الإمام الرازي: في قصة ضيف إبراهيم تسلية لقلب النبي الكريم صلى لله عليه وسلم ببيان أن غيره من الأنبياء عليهم السلام كان مثله، واختار تعالى إبراهيم لكونه شيخ المرسلين، وكون النبي صلى الله عليه وسلم على سنته في بعض الأشياء، وفيها إنذار لقومه بما جرى من الضيف ومن إنزال الحجارة على المذنبين المضلين.
51.38-60
المناسبة: لما ذكر تعالى قصة ضيف إبراهيم الذين أرسلوا لهلاك قوم لوط أتبعه بذكر قصص الأمم الطاغية، فذكر منهم فرعون وجنوده، وعادا، وثمود، وقوم نوح، تسلية للنبي عليه السلام، وتذكيرا للأنام بانتقام الله من أعدائه وأعداء رسله، ثم ذكر دلائل القدرة والوحدانية، وختم السورة الكريمة بإنذار المكذبين الضالين.
اللغة: ﴿ نبذناهم ﴾ طرحناهم ﴿ اليم ﴾ البحر ﴿ مليم ﴾ آت بما يلام عليه ﴿ الرميم ﴾ الشيء الهالك البالي قال الزجاج: الرميم: الورق الجاف المتحطم مثل الهشيم، ورم العظم إذا بلي فهو رمة ورميم قال جرير يرثي ابنه:
تركتني حين كف الدهر من بصري
وإذ بقيت كعظم الرمة البالي
﴿ الماهدون ﴾ مهدت الفراش مهدا بسطته ووطأته، والتمهيد تسوية الشيء وإصلاحه ﴿ ذنوبا ﴾ الذنوب: بفتح الذال النصيب من العذاب.
التفسير: ﴿ وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون ﴾ أي وجعلنا في قصة موسى أيضا آية وعبرة وقت إرسالنا له إلى فرعون ﴿ بسلطان مبين ﴾ أي بحجة واضحة ودليل باهر ﴿ فتولى بركنه ﴾ أي فأعرض عن الإيمان بموسى بجموعه وأجناده، وقوته وسلطانه قال مجاهد: تعزز عدو الله بأصحابه والغرض أن فرعون أعرض عن الإيمان بسبب ما كان يتقوى به من جنوده لأنهم كانوا له كالركن الذي يعتمد عليه البنيان ﴿ وقال ساحر أو مجنون ﴾ أي وقال اللعين في شأن موسى إنه ساحر ولذلك أتى بهذه الخوارق، أو مجنون ولذلك ادعى الرسالة، وإنما قال ذلك تمويها على قومه لا شكا منه في صدق موسى ﴿ فأخذناه وجنوده ﴾ أي فأخذنا فرعون مع أصحابه وجنوده ﴿ فنبذناهم في اليم ﴾ أي فطرحناهم في البحر لما أغضبونا وكذبوا رسولنا ﴿ وهو مليم ﴾ أي وهو آت بما يلام عليه من الكفر والطغيان.. ثم لما انتهى من قصة فرعون أعقبها بذكر قصة عاد فقال ﴿ وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ﴾ أي وجعلنا في قصة عاد كذلك آية لمن تأمل حين أرسلنا عليهم الريح المدمرة، التي لا خير فيها ولا بركة، لأنها لا تحمل المطر ولا تلقح الشجر، وإنما هي للإهلاك، وهي الريح التي تسمى الدبور وفي الصحيح
" نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور "
قال المفسرون: سميت ﴿ الريح العقيم ﴾ تشبيها لها بعقم المرأة الي لا تحمل ولا تلد، ولما كانت هذه الريح لا تلقح سحابا ولا شجرا، ولا خير فيها ولا بركة لأنها لا تحمل المطر شبهت بالمرأة العقيم ﴿ ما تذر من شيء أتت عليه ﴾ أي ما تترك شيئا مرت عليه في طريقها مما أراد الله تدميره وإهلاكه ﴿ إلا جعلته كالرميم ﴾ أي إلا جعلته كالهشيم المتفتت البالي قال ابن عباس: ﴿ كالرميم ﴾ الشيء الهالك البالي وقال السدي: هو التراب والرماد المدقوق كقوله تعالى:
تدمر كل شيء بأمر ربها
[الأحقاف: 25] قال المفسرون: كانت الريح التي أرسلها الله عليهم ريحا صرصرا عاتية، استمرت عليهم ثمانية أيام متتابعة، فكانت تهدم البنيان وتنتزع الرجال فترفعهم إلى السماء حتى يرى الواحد منهم كالطير ثم ترمي به إلى الأرض جثة هامدة
كأنهم أعجاز نخل خاوية
[الحاقة: 7].. ثم أخبر تعالى عن هلاك ثمود فقال ﴿ وفي ثمود ﴾ أي وجعلنا ثمود أيضا آية وعبرة ﴿ إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين ﴾ أي حين قيل لهم عيشوا متمتعين بالدنيا إلى وقت الهلاك بعد عقرهم للناقة، وهو ثلاثة أيام كما في هود
فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام
[هود: 65] ﴿ فعتوا عن أمر ربهم ﴾ أي فاستكبروا عن امتثال أمر الله، وعصوا رسولهم فعقروا الناقة ﴿ فأخذتهم الصاعقة ﴾ أي فأخذتهم الصيحة المهلكة - صيحة العذاب - ﴿ وهم ينظرون ﴾ أي وهم يشاهدونها ويعاينونها لأنها جاءتهم في وضح النهار قال ابن كثير: وذلك أنهم انتظروا العذاب ثلاثة أيام فجاءهم في صبيحة اليوم الرابع بكرة النهار وقال الألوسي: إن صالحا عليه السلام وعدهم بالهلاك بعد ثلاثة أيام وقال لهم: تصبح وجوهكم غدا مصفرة، وبعد غد محمرة، وفي اليوم الثالث مسودة، ثم يصبحكم العذاب، فلما رأوا الآيات التي بينها عليه السلام عمدوا إلى قتله فنجاه الله، وفي اليوم الرابع أتتهم الصاعقة وهي نار من السماء وقيل صيحة فهلكوا ﴿ فما استطاعوا من قيام ﴾ أي ما قدروا على الهرب والنهوض من شدة الصيحة، بل أصبحوا في ديارهم جاثمين ﴿ وما كانوا منتصرين ﴾ أي وما كانوا ممن ينتصر لنفسه فيدفع عنها العذاب.. ثم أخبر تعالى عن هلاك قوم نوح فقال: ﴿ وقوم نوح من قبل ﴾ أي وأهلكنا قوم نوح بالطوفان من قبل إهلاك هؤلاء المذكورين ﴿ إنهم كانوا قوما فاسقين ﴾ تعليل للهلاك أي لأنهم كانوا فسقة خارجين عن طاعة الرحمن بارتكابهم الكفر والعصيان.. ولما انتهى من أخبار هلاك الأمم الطاغية المكذبة، شرع في بيان دلائل القدرة والوحدانية فقال ﴿ والسمآء بنيناها بأييد ﴾ أي وشيدنا السماء وأحكمنا خلقها بقوة وقدرة قال ابن عباس: ﴿ بأيد ﴾ بقوة ﴿ وإنا لموسعون ﴾ أي وإنا لموسعون في خلق السماء، فإن الأرض وما يحيط بها من الهواء والماء بالنسبة لها كحلقة صغيرة في فلاة كما ورد في الأحاديث وقال ابن عباس: ﴿ لموسعون ﴾ أي لقادرون، من الوسع بمعنى الطاقة ﴿ والأرض فرشناها ﴾ أي والأرض مهدناها لتستقروا عليها، وبسطناها لكم ومددنا فيها لتنتفعوا بها بالطرقات وأنواع المزروعات، ولا ينافي ذلك كرويتها، فذلك أمر مقطوع به، فإنها مع كرويتها واسعة ممتدة، فيها السهول الفسيحة، والبقاع الواسعة، مع الجبال والهضاب ولهذا قال تعالى ﴿ فنعم الماهدون ﴾ أي فنعم الباسطون الموسعون لها نحن، وصيغة الجمع للتعظيم ﴿ ومن كل شيء خلقنا زوجين ﴾ أي ومن كل شيء خلقنا صنفين ونوعين مختلفين ذكرا وأنثى، وحلوا وحامضا ونحو ذلك ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ أي كي تتذكروا عظمة الله فتؤمنوا به، وتعلموا أن خالق الأزواج واحد أحد ﴿ ففروا إلى الله ﴾ أي الجأوا إلى الله، واهرعوا إلى توحيده وطاعته قال أبو حيان: والأمر بالفرار إلى الله أمر بالدخول في الإيمان وطاعة الرحمن، وإنما ذكر بلفظ الفرار لينبه على أن وراء الناس عقابا وعذابا، وأمر حقه أن يفر منه، فقد جمعت اللفظة بين التحذير والاستدعاء، ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم: