" لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك "
وقال ابن الجوزي: المعنى اهربوا مما يوجب العقاب من الكفر والعصيان، إلى ما يوجب الثواب من الطاعة والإيمان ﴿ إني لكم منه نذير ﴾ أي إني أنذركم عذاب الله وأخوفكم انتقامه ﴿ مبين ﴾ أي واضح أمري فقد أيدني الله بالمعجزات الباهرات ﴿ ولا تجعلوا مع الله إلها آخر ﴾ أي لا تشركوا مع الله أحدا من بشر أو حجر ﴿ إني لكم منه نذير مبين ﴾ كرر اللفظ للتأكيد والتنبيه إلى خطر الإشراك بالله قال الخازن: وإنما كرر اللفظ عند الأمر بالطاعة، والنهي عن الشرك، ليعلم أن الإيمان لا ينفع إلا مع العمل، كما أن العمل لا ينفع إلا مع الإيمان، وأنه لا يفوز وينجو عند الله إلا الجامع بينهما ﴿ كذلك مآ أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون ﴾ هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم أي كما كذبك قومك يا محمد، وقالوا عنك إنك ساحر أو مجنون، كذلك قال المكذبون الأولون لرسلهم، فلا تحزن لما يقول المجرمون ﴿ أتواصوا به ﴾ أي هل أوصى أولهم آخرهم بالتكذيب؟ وهو استفهام للتعجب من إجماعهم على تلك الكلمة الشنيعة، ثم أضرب عن هذا النفي والتوبيخ فقال ﴿ بل هم قوم طاغون ﴾ أي لم يوص بعضهم بعضا بذلك، بل حملهم الطغيان على التكذيب والعصيان فلذلك قالوا ما قالوا ﴿ فتول عنهم ﴾ أي فأعرض يا محمد عنهم ﴿ فمآ أنت بملوم ﴾ أي فلا لوم عليك ولا عتاب، لأنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة، وبذلت الجهد في النصح والإرشاد ﴿ وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴾ أي لا تدع التذكير والموعظة فإن القلوب المؤمنة تنتفع وتتأثر بالموعظة الحسنة.. ثم ذكر تعالى الغاية من خلق الخلق فقال ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ أي وما خلقت الثقلين الإنس والجن إلا لعبادتي وتوحيدي، لا لطلب الدنيا والانهماك بها قال ابن عباس: ﴿ إلا ليعبدون ﴾ إلا ليقروا لي بالعبادة طوعا أو كرها وقال مجاهد: إلا ليعرفوني قال الرازي: لما بين تعالى حال المكذبين ذكر هذه الآية ليبين سوء صنيعهم حيث تركوا عبادة الله مع أن خلقهم لم يكن إلا للعبادة ﴿ مآ أريد منهم من رزق ﴾ أي لا أريد منهم أن يرزقوني أو يرزقوا أنفسهم أو غيرهم بل أنا الرزاق المعطي ﴿ ومآ أريد أن يطعمون ﴾ أي ولا أريد منهم أن يطعموا خلقي ولا أن يطعموني فأنا الغني الحميد قال البيضاوي: والمراد أن يبين أن شأنه مع عباده ليس شأن السادة مع عبيدهم، فإنهم إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم، فكأنه سبحانه يقول: ما أريد أن أستعين بهم كما يستعين السادة بعبيدهم، فليشتغلوا بما خلقوا له من عبادتي ﴿ إن الله هو الرزاق ﴾ أي إنه جل وعلا هو الرازق، المتكفل بأرزاق العباد وحاجاتهم، أتى باسم الجلالة الظاهر للتفخيم والتعظيم، وأكد الجملة بإن والضمير المنفصل لقطع أوهام الخلق في أمور الرزق، وليقوي اعتمادهم على الله ﴿ ذو القوة ﴾ أي ذو القدرة الباهرة ﴿ المتين ﴾ أي شديد القوة لا يطرأ عليه عجز ولا ضعف قال ابن كثير: أخبر تعالى أنه غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء إلى الله في جميع أحوالهم فهو خالقهم ورازقهم، وفي الحديث القدسي
" يا بان آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسد فقرك "
﴿ فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم ﴾ أي فإن لهؤلاء الكفار الذين كذبوا الرسول صلى الله عليه وسلم نصيبا من العذاب مثل نصيب أسلافهم الذين أهلكوا كقوم نحو وعاد وثمود ﴿ فلا يستعجلون ﴾ أي فلا يتعجلوا عذابي فإنه واقع لا محالة إن عاجلا أو آجلا ﴿ فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون ﴾ أي هلاك ودمار وشدة عذاب لهؤلاء الكفار في يوم القيامة الذي وعدهم الله به.
البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: