" لو أن أحدكم فر من رزقه لتبعه كما يتبعه الموت "
. ثم ذكر تعالى قصة ضيف إبراهيم تسلية لقلب النبي الكريم فقال ﴿ هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين ﴾؟ الاستفهام للتشويق ولتفخيم شأن تلك القصة كما يقول القائل: هل بلغك الخير الفلاني؟ يريد تشويقه إلى استماعه والمعنى هل وصل إلى سمعك يا محمد خبر ضيوف إبراهيم المعظمين؟ قال ابن عباس: يريد جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام، سموا مكرمين لكرامتهم عند الله عز وجل ﴿ إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما ﴾ أي حين دخلوا على إبراهيم فقالوا: نسلم عليك سلاما ﴿ قال سلام قوم منكرون ﴾ أي قال عليكم سلام أنتم قوم غرباء لا نعرفكم فمن أنتم؟ قال ابن كثير: وإنما أنكرهم لأنهم قدموا عليه في صورة شبان حسان عليهم مهابة عظيمة ولهذا أنكرهم وقال أبو حيان: والذي يناسب حال إبراهيم عليه السلام أنه لا يخاطبهم بذلك، إذ فيه من عدم الإنس ما لا يخفى، وإنما قال ذلك في نفسه، أو لمن كان معه من أتباعه وغلمانه، بحيث لا يسمع ذلك الأضياف ﴿ فراغ إلى أهله ﴾ أي فمضى إلى أهله في سرعة وخفية عن ضيفه، لأن من أدب المضيف أن يبادر بإحضار الضيافة من غير أن يشعر به الضيف، حذرا من أن يمنعه الضيف، أو يثقل عليه في التأخير قال ابن قتيبة: عدل إليهم في خفية ولا يكون الرواغ إلا أن تخفي ذهابك ومجيئك ﴿ فجآء بعجل سمين ﴾ أي فجاءهم بعجل سمين مشوي، والعجل ولد البقرة وكان عامة ما له البقر، واختاره لهم سمينا زيادة في إكرامهم ﴿ فقربه إليهم قال ألا تأكلون ﴾ أي فأدناه منهم ووضعه بين أيديهم فلم يأكلوا فقال لهم في تلطف وبشاشة: ألا تأكلون هذا الطعام؟ قال ابن كثير: وفي الآية تلطف في العبارة وعرض حسن، وقد انتظمت الآية آداب الضيافة، فإنه جاء بطعام من حيث لا يشعرون بسرعة، ولم يمتن عليهم أولا فقال نأتيكم بطعام بل جاء به بسرعة وخفاء، وأتى بأفضل ما وجد من ماله وهو عجل فتي سمين مشوي، فقربه إليهم ولم يضعه وقال اقتربوا بل وضعه بين أيديهم، ولم يأمرهم أمرا يشق على سامعه بصيغة الجزم بل قال: ألا تأكلون؟ على سبيل العرض والتلطف كما يقول القائل: إن رأيت أن تتفضل وتحسن وتتصدق فافعل ﴿ فأوجس منهم خيفة ﴾ أي فأضمر في نفسه الخوف منهم لما رأى إعراضهم عن الطعام ﴿ قالوا لا تخف ﴾ أي قالوا له لا تخف إنا رسل ربك ﴿ وبشروه بغلام عليم ﴾ أي وبشروه بولد يولد له من زوجته سارة يكون عالما عند بلوغه قال أبو حيان: وفيه تبشير بحياته حتى يكون من العلماء، والجمهور على أن المبشر به هو إسحاق لقوله تعالى في سورة هود
فبشرناها بإسحاق ومن ورآء إسحاق يعقوب
[هود: 71] ﴿ فأقبلت امرأته في صرة ﴾ أي فأقبلت سارة نحوهم حين سمعت البشارة في صيحة وضجة قال المفسرون: لما سمعت بالبشارة وكانت في زاوية من زوايا البيت جاءت نحوهم في صيحة عظيمة تريد أن تستفسر الخبر ﴿ فصكت وجهها ﴾ أي فلطمت وجهها على عادة النساء عند التعجب قال ابن عباس: لطمت وجهها تعجبا كما تتعجب النساء من الأمر الغريب ﴿ وقالت عجوز عقيم ﴾ أي قالت أنا عجوز عقيم فكيف ألد؟ والعقيم هي التي لم تلد قط لانقطاع حبلها قبل الإمام الجلال: كان عمرها تسعا وتسعين سنة، وعمر إبراهيم مائة وعشرين ﴿ قالوا كذلك قال ربك ﴾ أي الأمر كما أخبرناك هكذا حكم وقضى ربك من الأزل فلا تعجبي ولا تشكي فيه ﴿ إنه هو الحكيم العليم ﴾ أي الحكيم في صنعه، العليم بمصالح خلقه ﴿ قال فما خطبكم أيها المرسلون ﴾ أي ما شأنكم الخطير الذي لأجله أرسلتم أيها الملائكة الأبرار؟ قال البيضاوي: لما علم أنهم ملائكة وأنهم لا ينزلون مجتمعين إلا لأمر عظيم سأل عنه ﴿ قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين ﴾ أي قالوا إن الله أرسلنا لإهلاك قوم لوط الذين ارتكبوا أفحش الجرائم " اللواط " وكانوا ذوي جرائم متعددة، وهي كبار المعاصي من كفر وعصيان ﴿ لنرسل عليهم حجارة من طين ﴾ أي لنهلكهم بحجارة من طين متحجر مطبوخ بالنار وهو السجيل قال أبو حيان: والسجيل طين يطبخ كما يطبخ الآجر حتى يصبح في صلابة الحجارة ﴿ مسومة عند ربك ﴾ أي معلمة من عند الله بعلامة، على كل واحدة منها اسم صاحبها الذي يهلك بها ﴿ للمسرفين ﴾ أي المجاوزين الحد في الفجور قال الصاوي: كان في قرى لوط ستمائة ألف فأدخل جبريل جناحه تحت الأرض فاقتلع قراهم، ورفعها حتى سمع أهل السماء أصواتهم ثم قلبها، ثم أرسل الحجارة على من كان خارجا عنها ﴿ فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين ﴾ أي فأخرجنا من كان في قرى أهل لوط من المؤمنين لئلا يهلكوا ﴿ فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ﴾ أي فما كان فيها بعد البحث والتفتيش غير أهل بيت واحد من المسلمين قال مجاهد: هم لوط وابنتاه، والغرض من الآية بيان قلة المؤمنين الناجين من العذاب، وكثرة الكافرين المستحقين للهلاك قال الإمام الجلال: وصفوا بالإيمان والإسلام أي هم مصدقون بقلوبهم، عاملون بجوارحهم الطاعات ﴿ وتركنا فيهآ آية ﴾ أي أبقينا في تلك القرى المهلكة بعد إهلاك الظالمين علامة على هلاكهم بجعل عاليها سافلها ﴿ للذين يخافون العذاب الأليم ﴾ أي للذين يخافون عذاب الله فإنهم المعتبرون به قال ابن كثير: ومعنى الآية ﴿ وتركنا فيهآ آية ﴾ أي جعلناها عبرة بما أنزلنا بهم من العذاب والنكال، وجعلنا محلتهم بحيرة منتنة خبيثة ففي ذلك عبرة للمؤمنين الذين يخافون العذاب الأليم.