47.20-38
المناسبة: كان بدء السورة في الحديث عن الكافرين، ثم جاء عن المؤمنين، وهنا يأتي الحديث عن المنافقين، وقد استغرق الجانب الأكبر من السورة باعتبارهم الخطر الداهم على الإسلام والمسلمين، والآيات الكريمة تتحدث عن الجهاد وعن موقف المنافقين منه.
اللغة: ﴿ سول ﴾ زين وسهل ﴿ أضغانهم ﴾ أحقادهم الدفينة قال الجوهري: الضغن والضغينة: الحقد، وتضاغن القوم أبطنوا على الأحقاد ﴿ سيماهم ﴾ علامتهم ﴿ السلم ﴾ الصلح والموادعة ﴿ يحفكم ﴾ يلح عليكم يقال: أحفى بالمسألة وألحف وألح بمعنى واحد ﴿ يتركم ﴾ ينقصكم يقال: وتره حقه أي نقصه.
التفسير: ﴿ ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة ﴾ أي ويقول المؤمنون المخلصون شوقا إلى الجهاد وحرصا على ثوابه: هلا أنزلت سورة فيها الأمر بالجهاد ﴿ فإذآ أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال ﴾ أي فإذا أنزلت سورة صريحة ظاهرة الدلالة على الأمر بالقتال قال القرطبي: ﴿ محكمة ﴾ أي لم تنسخ وقد قال قتادة: كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة، وهي أشد القرآن على المنافقين ﴿ رأيت الذين في قلوبهم مرض ﴾ أي رأيت المنافقين الذين في قلوبهم شك ونفاق ﴿ ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت ﴾ أي ينظرون إليك يا محمد تشخص أبصارهم جنبا وهلعا، كما ينظر من أصابته الغشية من حلول الموت ﴿ فأولى لهم ﴾ أي فويل لهم قال في التسهيل: وهي كلمة معناها التهديد والدعاء عليهم كقوله تعالى
أولى لك فأولى
[القيامة: 35] ﴿ طاعة وقول معروف ﴾ مبتدأ محذوف الخبر أي طاعة لك يا محمد، وقول جميل طيب خير لهم وأفضل وأحسن، قال الرازي: وهو كلام مستأنف محذوف الخبر تقديره خير لهم أي أحسن وأمثل، وإنما جاز الابتداء بالنكرة لأنها موصوفة ويدل عليه قوله ﴿ وقول معروف ﴾ كأنه قال: طاعة مخلصة، وقول معروف خير لهم ﴿ فإذا عزم الأمر ﴾ أي فإذا جد الجد وفرض القتال ﴿ فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم ﴾ أي فلو أخلصوا نياتهم وجاهدوا بصدق ويقين لكان ذلك خيرا لهم من التقاعس والعصيان، والجملة جواب الشرط ﴿ فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ﴾ أي فلعلكم إن أعرضتم عن الإسلام أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية، من الإفساد في الأرض بالمعاصي، وقطع الأرحام!! قال قتادة: كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله، ألم يسفكوا الدم الحرام، ويقطعوا الأرحام، ويعصوا الرحمن؟! قال أبو حيان: يريد ما جرى من الفترة بعد زمان الرسول صلى الله عليه وسلم ﴿ أولئك الذين لعنهم الله ﴾ أي طردهم وأبعدهم من رحمته ﴿ فأصمهم وأعمى أبصارهم ﴾ أي فأصمهم عن استماع الحق، وأعمى قلوبهم عن طريق الهدى فلا يهتدون إلى سبيل الرشاد قال القرطبي: أخبر تعالى أن من فعل ذلك حقت عليه اللعنة، وسلبه الانتفاع بسمعه وبصره، حتى لا ينقاد للحق وإن سمعه، فجعله كالبهيمة التي لا تعقل ﴿ أفلا يتدبرون القرآن ﴾؟ الاستفهام توبيخي أي أفلا يتفهمون القرآن ويتصفحونه ليروا ما فيه من المواعظ والزواجر، حتى لا يقعوا فيما وقعوا فيه من الموبقات!؟ ﴿ أم على قلوب أقفالهآ ﴾ " أم " بمعنى " بل " وهو انتقال من توبيخهم على عدم التدبر إلى توبيخهم على ظلمة القلوب وقسوتها حتى لا تقبل التفكر والتدبر والمعنى: بل قلوبهم قاسية مظلمة كأنها مكبلة بالأقفال الحديدية فلا ينفذ إليها نور ولا إيمان قال الرازي: إن القلب خلق للمعرفة فإذا لم تكن فيه المعرفة فكأنه غير موجود، وهذا كما يقول القائل في الإنسان المؤذي: هذا ليس بإنسان هذا وحش، وهذا ليس بقلب هذا حجر ﴿ إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى ﴾ أي رجعوا إلى الكفر بعد الإيمان، وبعد أن وضح لهم طريق الهدى بالدلائل الظاهرة والمعجزات الواضحة ﴿ الشيطان سول لهم وأملى لهم ﴾ أي الشيطان زين لهم ذلك الأمر، وغرهم وخدعهم بالأمل، وطول الأجل ﴿ ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله ﴾ أي ذلك الإضلال بسبب أنهم قالوا لليهود الذين كرهوا القرآن الذي نزله الله حسدا وبغيا ﴿ سنطيعكم في بعض الأمر ﴾ أي سنطيعكم في بعض ما تأمروننا به كالقعود عن الجهاد، وتثبيط المسلمين عنه وغير ذلك ﴿ والله يعلم إسرارهم ﴾ أي وهو جل وعلا يعلم خفاياهم، وما يبطنونه من الكيد والدس والتآمر على الإسلام والمسلمين قال المفسرون: قال المنافقون لليهود ذلك سرا فأظهره الله تعالى وفضحهم ﴿ فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ أي فكيف يكون حالهم حين تحضرهم ملائكة العذاب لقبض أرواحهم ومعهم مقامع من حديد يضربون بها وجوههم وظهورهم؟ قال القرطبي: والمعنى على التخويف والتهديد أي إن تأخر عنهم العذاب فإلى انقضاء العمر قال ابن عباس: لا يتوفى أحد على معصية إلا تضرب الملائكة في وجهه وفي دبره ﴿ ذلك بأنهم اتبعوا مآ أسخط الله وكرهوا رضوانه ﴾ أي ذلك العذاب بسبب أنهم سلكوا طريق النفاق وكرهوا ما يرضي الله من الإيمان والجهاد وغيرهما من الطاعات ﴿ فأحبط أعمالهم ﴾ أي أبطل ما عملوه حال إيمانهم من أعمال البر ﴿ أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ﴾؟ أي أيعتقد المنافقون الذين في قلوبهم شك ونفاق أن الله لن يكشف أمرهم لعباده المؤمنين؟ وأنه لن يظهر بغضهم وأحقادهم على الإسلام والمسلمين؟ لا بد أن يفضحهم ويكشف أمرهم ﴿ ولو نشآء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ﴾ أي لو أردنا لأريناك يا محمد أشخاصهم فعرفتهم عيانا بعلامتهم ولكن الله ستر عليهم إبقاء عليهم وعلى أقاربهم من المسلمين لعلهم يتوبون ﴿ ولتعرفنهم في لحن القول ﴾ أي ولتعرفن يا محمد المنافقين من فحوى كلامهم وأسلوبه، فيما يعرضونه بك من القول الذي ظاهره إيمان وإسلام وباطنه كفر ومسبة قال الكلبي: لم يتكلم بعد نزولها عند النبي صلى الله عليه وسلم منافق إلا عرفه ﴿ والله يعلم أعمالكم ﴾ أي لا يخفى عليه شيء من أعمالكم فيجازيكم بحسب قصدكم، ففيه وعد ووعيد ﴿ ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ﴾ أي ولنختبرنكم أيها الناس بالجهاد وغيره من التكاليف الشاقة حتى نعلم - علم ظهور - المجاهدين في سبيل الله، والصابرين على مشاق الجهاد ﴿ ونبلوا أخباركم ﴾ أي ونختبر أعمالكم حسنها وقبيحها قال في التسهيل: المراد بقوله ﴿ حتى نعلم ﴾ أي نعلمه علما ظاهرا في الوجود تقوم به الحجة عليكم، وقد علم الله الأشياء قبل كونها، ولكنه أراد إقامة الحجة على عباده بما يصدر منهم، وكان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: اللهم لا تبتلنا فإنك إذا ابتليتنا فضحتنا وهتكت أستارنا ﴿ إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ﴾ أي جحدوا بآيات الله ومنعوا الناس عن الدخول في الإسلام ﴿ وشآقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى ﴾ أي عادوا الرسول وخرجوا عن طاعته من بعد ما ظهر لهم صدقه وأنه رسول الله بالحجج والآيات ﴿ لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم ﴾ أي لن يضروا الله بكفرهم وصدهم شيئا من الضرر، وسيبطل أعمالهم من صدقة ونحوها فلا يرون لها في الآخرة ثوابا ﴿ يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ﴾ أي امتثلوا أوامر الله وأوامر رسوله ﴿ ولا تبطلوا أعمالكم ﴾ أي ولا تبطلوا أعمالكم بما أبطل به هؤلاء أعمالهم من الكفر والنفاق، والعجب والرياء ﴿ إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ﴾ أي جحدوا بآيات الله وصدوا الناس عن طريق الهدى والإيمان ﴿ ثم ماتوا وهم كفار ﴾ أي وماتوا على الكفر ﴿ فلن يغفر الله لهم ﴾ أي فلن يغفر الله لهم بحال من الأحوال، وهذا قطع بأن من مات على الكفر لا يغفر الله له لقوله تعالى