فنزلت الآية ﴿ أفمن كان على بينة من ربه ﴾ أي هل من كان على حجة وبصيرة، وثبات ويقين من أمر دينه ﴿ كمن زين له سوء عمله ﴾؟ أي كمن زين له عمله القبيح فرآه حسنا؟ ﴿ واتبعوا أهواءهم ﴾ أي انهمكوا في الضلال حتى عبدوا الهوى؟ ليس هذا كهذا، وإنما جاء بصيغة الجمع مراعاة للمعنى قال المفسرون: يريد ب ﴿ من كان على بينة ﴾ رسول الله صلى الله عليه وسلم وبمن ﴿ زين له سوء عمله ﴾ أبا جهل وكفار قريش.
. واللفظ أعم لأن الغرض المباينة بين من يعبد الله، وبين من يعبد هواه، ولذلك مثل بعده بالفارق الكبير بين الجنة والنار فقال ﴿ مثل الجنة التي وعد المتقون ﴾ أي صفة الجنة الغريبة العجيبة الشأن، التي وعد الله بها عباده الأبرار وأعدها للمتقين الأخيار ﴿ فيهآ أنهار من مآء غير آسن ﴾ أي فيها أنهار جاريات من ماء غير متغير الراحة قال ابن مسعود: أنهار الجنة تفجر من جبل من مسك ﴿ وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ﴾ أي وأنهار جاريات من حليب في غاية البياض والحلاوة والدسامة، لم يحمض بطول المقام ولم يفسد كما تفسد ألبان الدنيا وفي حديث مرفوع " لم يخرج من ضروع الماشية " ﴿ وأنهار من خمر لذة للشاربين ﴾ أي وأنهار جاريات من خمر لذيذة الطعم يتلذذ بها الشاربون لأنه
لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون
[الصافات: 47] وإنما قيدها بأنها لذة للشاربين، لأن الخمر كريهة الطعم في الدنيا لا يلتذ بها إلا فاسد المزاج، وأما خمر الآخرة فهي طيبة الطعم والرائحة، يشربها أهل الجنة لمجرد الالتذاذ ﴿ وأنهار من عسل مصفى ﴾ أي وأنهار جاريات من عسل في غاية الصفاء وحسن اللون والريح، لم يخرج من بطون النحل قال أبو السعود: ﴿ عسل مصفى ﴾ أي لم يخالطه الشمع وفضلات النحل ﴿ ولهم فيها من كل الثمرات ﴾ أي ولهم في الجنة أنواع متعددة من جميع أصناف الفواكه والثمار قال في حاشية البيضاوي: وفي ذكر الثمرات بعد المشروب إشارة إلى أن مأكول أهل الجنة للذة لا للحاجة ﴿ ومغفرة من ربهم ﴾ أي ولهم فوق ذلك النعيم الحسن نعيم روحي وهو المغفرة من الله مع الرحمة والرضوان وفي الحديث
" أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا "
قال الصاوي: في الجنة ترفع عنهم التكاليف فيما يأكلونه ويشربونه، بخلاف الدنيا فإن مأكولها ومشروبها يترتب عليه الحساب والعقاب، ونعيم الآخرة لا حساب عليه ولا عقاب فيه ﴿ كمن هو خالد في النار ﴾ أي كمن هو مخلد في الجحيم؟ والاستفهام للإنكار أي لا يستوي من هو في ذلك النعيم المقيم، بمن هو خالد في الجحيم؟ ﴿ وسقوا مآء حميما فقطع أمعآءهم ﴾ أي وسقوا مكان تلك الأشربة ماء حارا شديد الغليان، فقطع أحشاءهم من فرط حرارته؟ قال المفسرون: بلغ الماء الغاية في الحرارة، إذا دنا منهم شوى وجوههم، ووقعت فروة رءوسهم، فإذا شربوه قطع أمعاءهم وأخرجها من دبورهم ولما بين تعالى حال الكافرين، ذكر حال المنافقين فقال: ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ أي ومن هؤلاء المنافقين جماعة يستمعون إلى حديثك يا محمد ﴿ حتى إذا خرجوا من عندك ﴾ أي حتى إذا خرجوا من مجلسك ﴿ قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا ﴾ أي قالوا لعلماء الصحابة - كابن عباس وابن مسعود - ماذا قال محمد قريبا في تلك الساعة؟ قال ابن كثير: أخبر تعالى عن المنافقين في بلادتهم وقلة فهمهم، حيث كانوا يجلسون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستمعون كلامه، فلا يفهمون منه شيئا، فإذا خرجوا من عنده قالوا لأهل العلم من الصحابة: ماذا قال محمد ﴿ آنفا ﴾ أي الساعة، لا يعقلون ما قال ولا يكترثون به ﴿ أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ﴾ أي ختم على قلوبهم بالكفر ﴿ واتبعوا أهوآءهم ﴾ أي ساروا وراء أهوائهم الباطلة ﴿ والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ﴾ أي وأما المؤمنون المتقون فقد زادهم الله هدى وألهمهم رشدهم قال الإمام الفخر: لما بين تعالى أن المنافق يستمع ولا ينتفع، ويستعيد ولا يستفيد، بين أن حال المؤمن المهتدي بخلافه، فإنه يستمع فيفهم، ويعمل بما يعلم، وفيه فائدة وهو قطع عذر المنافق، فإنه لو قال ما فهمت كلامه لغموضه، يرد عليه بأن المؤمن فهم واستنبط، فذلك لعماء القلوب لا لخفاء المطلوب ﴿ فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة ﴾ أي فهل ينتظرون إلا قيام الساعة فجأة فتبغتهم وهم سادرون غارون غافلون؟ ﴿ فقد جآء أشراطها ﴾ أي فقد جاءت أماراتها وعلاماتها، ومنها بعثة خاتم الرسل صلى لله عليه وسلم ﴿ فأنى لهم إذا جآءتهم ذكراهم ﴾ أي فمن أين لهم التذكر إذا جاءتهم الساعة، حيث لا ينفع ندم ولا توبة؟ ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله ﴾ أي فدم يا محمد على ما أنت عليه من العلم بوحدانية الله ﴿ واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ﴾ أي اطلب من الله المغفرة لك وللمؤمنين والمؤمنات ﴿ والله يعلم متقلبكم ومثواكم ﴾ أي يعلم تصرفكم في الدنيا، ومصيركم في الآخرة، فأعدوا الزاد ليوم المعاد.