إن الله لا يغفر أن يشرك به
[النساء: 48] قال أبو السعود: وهذا حكم يعم كل من مات على الكفر، وإن صح نزوله في أصحاب القليب ﴿ فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم ﴾ أي فلا تضعفوا وتدعوا إلى المهادنة والصلح مع الكفار إذا لقيتموهم ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ أي وأنتم الأعزة الغالبون لأنكم مؤمنون ﴿ والله معكم ﴾ أي والله معكم بالعون والنصر ﴿ ولن يتركم أعمالكم ﴾ أي لن ينقصكم شيئا من ثواب أعمالكم قال ابن كثير: وفي قوله ﴿ والله معكم ﴾ بشارة عظيمة بالنصر والظفر على الأعداء ﴿ إنما الحياة الدنيا لعب ولهو ﴾ أي ما الحياة الدنيا إلا زائلة فانية، لا قرار لها ولا ثبات، كاللعب واللهو الذي يتلهى به الأولاد قال شيخ زاده: بين تعالى أن الدنيا وما فيها من الحظوظ العاجلة، لا يصلح مانعا من الإقدام إلى الجهاد، وما يؤدي إلى ثواب الآخرة، لكونها بمنزلة اللهو واللعب في سرعة زوالها، وأن الآخرة هي الحياة الباقية، فلا ينبغي أن يكون حب الدنيا والحرص على ما فيها من اللذات والشهوات سببا للجبن عن الغزو والتخلف عن الجهاد ﴿ وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ﴾ أي وإن تؤمنوا بالله وتتقوه حق تقواه، يعطكم ثواب أعمالكم كاملا ﴿ ولا يسألكم أموالكم ﴾ أي ولا يطلب منكم أن تنفقوا جميع أموالكم، بل الزكاة المفروضة فيها قال ابن كثير: أي هو غني عنكم لا يطلب منكم شيئا، وإنما فرض عليكم الصدقات من الأموال مواساة لإخوانكم الفقراء، ليعود نفع ذلك وثوابه عليكم ﴿ إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ﴾ أي إن يسألكم جميع أموالكم ويبالغ في طلبها، ويلح عليكم في إنفاقها تبخلوا ﴿ ويخرج أضغانكم ﴾ أي ويخرج ما في قلوبكم من البخل وكراهة الإنفاق قال في التسهيل: وذلك لأن الإنسان جبل على محبة الأموال، ومن نوزع في حبيبه ظهرت سرائره، فمن رحمته تعالى على عباده عدم التشديد عليهم في التكاليف ﴿ ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله ﴾ أي ها أنتم معشر المخاطبين تدعون للإنفاق في سبيل الله، وقد كلفتم ما تطيقون ﴿ فمنكم من يبخل ﴾ أي فمنكم من يشح عن الإنفاق ويمسك عنه ﴿ ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ﴾ أي ومن بخل عن الإنفاق في سبيل الله فإنما يعود ضرر بخله على نفسه، لأنه يمنعها الأجر والثواب قال الصاوي: وبخل يتعدى ب " على " إذا ضمن معنى شح، وب " عن " إذا ضمن معنى أمسك ﴿ والله الغني وأنتم الفقرآء ﴾ أي والله مستغن عن إنفاقكم ليس بمحتاج إلى أموالكم، وأنتم محتاجون إليه ﴿ وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ﴾ أي وإن تعرضوا عن طاعته واتباع أوامره، يخلف مكانكم قوما آخرين يكونون أطوع لله منكم ﴿ ثم لا يكونوا أمثالكم ﴾ أي لا يكونون مثلكم في البخل عن الإنفاق بل يكونوا كرماء أسخياء.
البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
1- المقابلة بين الآية الأولى والثانية
الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم
[محمد: 1] وبين
والذين آمنوا وعملوا الصالحات..
[محمد: 2] الآية وهو من المحسنات البديعية.
2- ذكر الخاص بعد العام
وآمنوا بما نزل على محمد
[محمد: 2] والنكتة تعظيمه والاعتناء بشأنه.
3- الاستعارة التبعية
تضع الحرب أوزارها
[محمد: 4] شبه ترك القتال بوضع آلته، واشتق من الوضع " تضع " بمعنى تنتهي وتترك بطريق الاستعارة التبعية.
4- المجاز المرسل
ويثبت أقدامكم
[محمد: 7] أطلق الجزء وأراد الكل أي يثبتكم، وعبر بالأقدام لأن الثبات والتزلزل يظهران فيها وهو مثل
فبما كسبت أيديكم
[الشورى: 30].
5- الطباق بين ﴿ منا.. و فدآء ﴾ وبين ﴿ آمنوا..و كفروا ﴾ وبين ﴿ الغني.. و الفقرآء ﴾.
6- المجاز العقلي ﴿ فإذا عزم الأمر ﴾ نسب العزم إلى الأمر وهو لأهله مثل نهاره صائم.
7- الالتفات ﴿ فهل عسيتم إن توليتم ﴾ وهو التفات من الغيبة إلى الخطاب لتأكيد التوبيخ وتشديد التقريع.