﴿ ومآ أنتم بمعجزين في الأرض ﴾ أي ولستم أيها المشركون فائتين من عذاب الله، ولا هاربين من قضائه، وإن هربتم من أقطارها كل مهرب ﴿ وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ﴾ أي وليس لكم غير الله ولي يتولى أموركم ويتعهد مصالحكم، ولا نصير يدفع عنكم عذابه وانتقامه.
فائدة: المصائب التي تصيب الناس لتكفير السيئات، وأما الأنبياء فإنما هي لرفع الدرجات لأنهم معصومون عن الذنوب والآثام.
تنبيه: قال بعض العلماء: لا يستبعد أن يكون في الكواكب السيارة، والعوالم العلوية مخلوقات - غير الملائكة - تشبه مخلوقات الأرض، وأن يكون فيها حيوانات تشبه الحيوانات التي على أرضنا كما تدل الدلائل الفلكية على وجود حياة في المريخ، واستدلوا بهذه الآية ﴿ ومن آياته خلق السموت والأرض وما بث فيهما من دآبة ﴾ الآية، أقول: يحتمل أن يوجد في هذا الفضاء الواسع، مخلوقات حية غير الإنسان، أما الإنسان فإننا نقطع بأنه لا يوجد إلا فوق سطح هذا الكوكب الأرضي لقوله تعالى:
قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون
[الأعراف: 25].
42.32-53
المناسبة: لما ذكر تعالى بعض الدلائل على وحدانيته في خلق السماوات والأرض، وما بث فيهما من مخلوقات لا تحصى، أتبعه بذكر آية أخرى تدل على وجود الإله القادر الحكيم، وهي السفن الضخمة التي تشبه الجبال تسير بقدرته تعالى فوق سطح البحر، محملة بالأقوات والأرزاق، وختم السورة الكريمة ببيان إثبات الوحي وصدق القرآن.
اللغة: ﴿ الجوار ﴾ جمع جارية وهي السفينة سميت جارية لأنها تجري في الماء ﴿ كالأعلام ﴾ جمع علم وهو الجبل العظيم الشاهق قالت الخنساء:
وإن صخرا لتأتم الهداة به
كأنه علم في رأسه نار
﴿ رواكد ﴾ ثوابت ساكنة لا تسير، من ركد الماء إذا سكن ووقف عن الجري ﴿ محيص ﴾ مهرب ومخلص من العذاب ﴿ يوبقهن ﴾ يهلكهن يقال: أوبقه أي أهلكه ﴿ الفواحش ﴾ جمع فاحشة وهي ما تناهى قبحه كالزنى والقتل والشرك وغيرها ﴿ نكير ﴾ منكر ينكر ما ينزل بكم من العذاب ﴿ عقيما ﴾ لا تلد.
التفسير: ﴿ ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام ﴾ أي ومن علاماته الدالة على قدرته الباهرة، وسلطانه العظيم، السفن الجارية في البحر كأنها الجبال من عظمها وضخامتها ﴿ إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره ﴾ أي لو شاء تعالى لأسكن الرياح وأوقفها فتبقى السفن سواكن وثوابت على ظهر البحر لا تجري ﴿ إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ﴾ أي إن في تسييرها لعبرا وعظات لكل مؤمن صابر في البأساء، شاكر في الرخاء قال الصاوي: أي كثير الصبر على البلايا، عظيم الشكر على العطايا وقال أبو حيان: وإنما ذكر السفن الجارية في البحر، لما فيها من عظيم دلائل القدرة، من جهة أن الماء جسم لطيف شفاف، يغوص فيه الثقيل، والسفن تحمل الأجسام الثقيلة الكثيفة ومع ذلك جعل الله تعالى في الماء قوة يحملها بها ويمنعها من الغوص، ثم جعل الرياح سببا لسيرها فإذا أراد أن ترسوا أسكن الريح فلا تبرح عن مكانها، ﴿ أو يوبقهن بما كسبوا ﴾ أي وإن يشأ يجعل الرياح عواصف فيغرق هذه السفن وأهلها بسبب ما اقترفوا من جرائم ﴿ ويعف عن كثير ﴾ أي ويتجاوز عن كثير من الذنوب فينجيهم الله من الهلاك ﴿ ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص ﴾ أي وليعلم الكفار المجادلون في آيات الله بالباطل، أنه لا ملجأ لهم ولا مهرب من عذاب الله قال القرطبي: أي ليعلم الكفار إذا توسطوا البحر وغشيتهم الرياح من كل مكان أنه لا ملجأ لهم سوى الله، ولا دافع لهم إن أراد الله إهلاكهم فيخلصون له العبادة ﴿ فمآ أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا ﴾ أي فما أعطيتم أيها الناس من شيء من نعيم الدنيا وزهرتها الفانية، فإنما هو نعيم زائل، تتمتعون به مدة حياتكم ثم يزول ﴿ وما عند الله خير وأبقى ﴾ أي وما عند الله من الثواب والنعيم، خير من الدنيا وما فيها، لأن نعيم الآخرة دائم مستمر، فلا تقدموا الفاني على الباقي ﴿ للذين آمنوا ﴾ أي للذين صدقوا الله ورسوله وصبروا على ترك الملاذ في الدنيا ﴿ وعلى ربهم يتوكلون ﴾ أي واعتمدوا على الله وحده في جميع أمورهم ﴿ والذين يجتنبون كبائر الإثم ﴾ أي وهؤلاء المؤمنون هم الذين يجتنبون كبائر الذنوب كالشرك والقتل وعقوق الوالدين ﴿ والفواحش ﴾ قال ابن عباس: يعني الزنى ﴿ وإذا ما غضبوا هم يغفرون ﴾ أي إذا غضبوا على أحد ممن اعتدى عليهم عفوا وصفحوا قال الصاوي:من مكارم الأخلاق التجاوز والحلم عند حصول الغضب، ولكن يشترط أن يكون الحلم غير مخل بالمروءة، ولا واجبا كما إذا انتهكت حرمات الله فالواجب حينئذ الغضب لا الحلم، وعليه قول الشافعي " من استغضب ولم يغضب فهو حمار " وقال الشاعر " وحلم الفتى في غير موضعه جهل " ﴿ والذين استجابوا لربهم ﴾ أي أجابوا ربهم إلى ما دعاهم إليه من التوحيد والعبادة قال البيضاوي: نزلت في الأنصار دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان فاستجابوا ﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ أي أدوها بشروطها وآدابها، وحافظوا عليها في أوقاتها ﴿ وأمرهم شورى بينهم ﴾ أي يتشاورون في الأمور ولا يعجلون، ولا يبرمون أمرا من مهمات الدنيا والدين إلا بعد المشورة ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ أي وينفقون مما أعطاهم الله في سبيل الله بالإحسان إلى خلق الله ﴿ والذين إذآ أصابهم البغي هم ينتصرون ﴾ أي ينتقمون ممن بغى عليهم، ولا يستسلمون لظلم المعتدي قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فتجترىء عليهم الفساق قال أبو السعود: وهو وصف لهم بالشجاعة بعد وصفهم بسائر الفضائل، وهذا لا ينافي وصفهم بالغفران فإن كلا في موضعه محمود ﴿ وجزآء سيئة سيئة مثلها ﴾ أي وجزاء العدوان أن ينتصر ممن ظلمه من غير أن يعتدي عليه بالزيادة قال الإمام الفخر: لما قال تعالى ﴿ والذين إذآ أصابهم البغي هم ينتصرون ﴾ أردفه بما يدل على أن ذلك الانتصار يجب أن يكون مقيدا بالمثل دون زيادة، وإنما سمى ذلك سيئة لأنها تسوء من تنزل به ﴿ فمن عفا وأصلح فأجره على الله ﴾ أي فمن عفا عن الظالم، وأصلح بينه وبين عدوه، فإن الله يثيبه على ذلك الأجر الجزيل قال ابن كثير: شرع تعالى العدل وهو القصاص، وندب إلى الفضل وهو العفو، فمن عفا فإن الله لا يضيع له ذلك كما جاء في الحديث