" وما زاد الله تعالى عبدا بعفو إلا عزا "
﴿ إنه لا يحب الظالمين ﴾ أي إنه جل وعلا يبغض البادئين بالظلم، والمعتدين في الانتقام ﴿ ولمن انتصر بعد ظلمه ﴾ أي انتصر ممن ظلمه دون عدوان ﴿ فأولئك ما عليهم من سبيل ﴾ أي فليس عليهم عقوبة ولا مؤاخذة، لأنهم أتوا بما أبيح لهم من الانتصار ﴿ إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ﴾ إي إنما العقوبة والمؤاخذة على المعتدين الذين يظلمون الناس بعدوانهم ﴿ ويبغون في الأرض بغير الحق ﴾ أي ويتكبرون في الأرض تجبرا وفسادا بالمعاصي والاعتداء على الناس في النفوس والأموال ﴿ أولئك لهم عذاب أليم ﴾ أي أولئك الظالمون الباغون لهم عذاب مؤلم موجع بسبب ظلمهم وبغيهم ﴿ ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ﴾ أي ولمن صبر على الأذى، وترك الانتصار لوجه الله تعالى، فإن ذلك الصبر والتجاوز من الأمور الحميدة التي أمر الله بها وأكد عليها قال الصاوي: كرر الصبر اهتماما به وترغيبا فيه وللإشارة إلى أنه محمود العاقبة ﴿ ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده ﴾ أي ومن يضلله الله فليس له ناصر ولا هاد يهديه إلى الحق ﴿ وترى الظالمين لما رأوا العذاب ﴾ أي وترى الكافرين حين شاهدوا عذاب جهنم ﴿ يقولون هل إلى مرد من سبيل ﴾ أي يطلبون الرجوع إلى الدنيا لهول ما يشاهدون من العذاب ويقولون: هل هناك طريق لعودتنا إلى الدنيا؟ قال القرطبي: يطلبون أن يردوا إلى الدنيا ليعملوا بطاعة الله عز وجل فلا يجابون ﴿ وتراهم يعرضون عليها ﴾ أي وتراهم أيها المخاطب يعرضون على النار ﴿ خاشعين من الذل ﴾ أي متضائلين صاغرين مما يلحقهم من الذل والهوان ﴿ ينظرون من طرف خفي ﴾ أي يسارقون النظر خوفا منها وفزعا كما ينظر من قدم ليقتل بالسيف، فإنه لا يقدر أن ينظر إليه بملء عينه قال ابن عباس: ينظرون بطرف ذابل ذليل وقال قتادة والسدي: يسارقون النظر من شدة الخوف ﴿ وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ﴾ أي يقول المؤمنون في الجنة لما عاينوا ما حل بالكفار: إن الخسران في الحقيقة ما صار إليه هؤلاء، فإنهم خسروا أنفسهم وأهليهم بخلودهم في نار جهنم ﴿ ألا إن الظالمين في عذاب مقيم ﴾ أي ألا إنهم في عذاب دائم لا ينقطع ﴿ وما كان لهم من أوليآء ينصرونهم من دون الله ﴾ أي وما كان لهم من أعوان ونصراء ينصرونهم من عذاب الله كما كانوا يرجون ذلك في الدنيا ﴿ ومن يضلل الله فما له من سبيل ﴾ أي ومن يضلله الله فليس له طريق يصل به إلى الحق في الدنيا، وإلى الجنة في الآخرة، لأنه قد سدت عليه طريق النجاة قال ابن كثير: من يضلله الله فليس له خلاص ﴿ استجيبوا لربكم ﴾ أي استجيبوا أيها الناس إلى ما دعاكم إليه ربكم من الإيمان والطاعة ﴿ من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ﴾ أي من قبل أن يأتي ذلك اليوم الرهيب الذي لا يقدر أحد على رده، لأنه ليس له دافع ولا مانع ﴿ ما لكم من ملجأ يومئذ ﴾ أي ليس لكم مفر تلتجئون إليه ﴿ وما لكم من نكير ﴾ أي وليس لكم منكر ينكر ما ينزل بكم من العذاب وقال أبو السعود: أي ما لكم إنكار لما اقترفتموه لأنه مدون في صحائف أعمالكم وتشهد عليه جوارحكم ﴿ فإن أعرضوا ﴾ أي فإن أعرض المشركون عن الإيمان ولم يقبلوا هداية الرحمن ﴿ فمآ أرسلناك عليهم حفيظا ﴾ أي فما أرسلناك يا محمدا رقيبا على أعمالهم ولا محاسبا لهم ﴿ إن عليك إلا البلاغ ﴾ أي ما عليك إلا أن تبلغهم رسالة ربك وقد فعلت قال أبو حيان: والآية تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتأنيس له، وإزالة لهمه بهم، ثم أخبر تعالى أن طبيعة الإنسان الكفران لنعم الله فقال ﴿ وإنآ إذآ أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها ﴾ المراد بالإنسان الجنس بدليل قوله ﴿ وإن تصبهم ﴾ والمعنى إنا إذا أكرمنا الإنسان بنعمة من النعم من صحة وغنى وأمن وغيرها بطر وتكبر ﴿ وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور ﴾ أي وإن أصاب الناس جدب ونقمة، وبلاء وشدة، بسبب ما اقترفوه من آثام فإن الإنسان مبالغ في الجحود والكفران، ينسى النعمة ويذكر البلية قال الصاوي: والحكمة في تصدير النعمة ب " إذا " والبلاء ب " إن " هو الإشارة إلى أن النعمة محققة الحصول بخلاف البلاء، لأن رحمة الله تغلب عضبه وقال الإمام الفخر: نعم الله في الدنيا وإن كانت عظيمة إلا أنها بالنسبة إلى سعادة الآخرة كالقطرة بالنسبة إلى البحر فلذلك سماها ذوقا، فبين تعالى أن الإنسان إذا فاز بهذا القدر الحقير في الدنيا فإنه يفرح بها ويعظم غروره بسببها ويقع في العجب والكبر، ويظن أنه فاز بكل المنى، وذلك لجهله بحال الدنيا وبحال الآخرة ﴿ لله ملك السموت والأرض يخلق ما يشآء ﴾ أي هو تعالى المالك للكون كله، علويه وسفليه، والمتصرف فيه بالخلق والإيجاد، كيفما شاء، والمقصود من الآية أن لا يغتر الإنسان بما ملكه من المال والجاه، وأن يعلم أن الكل ملك الله وحده، وبيده مقاليد التصرف في السماوات والأرض، يعطي ويمنع، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ﴿ يهب لمن يشآء إناثا ﴾ أي يخص من شاء من عباده بالإناث دون البنين ﴿ ويهب لمن يشآء الذكور ﴾ أي ويخص من شاء بالذكور دون الإناث ﴿ أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ﴾ أي يجعلهم إن شاء من النوعين فيجمع للإنسان بين البنين والبنات ﴿ ويجعل من يشآء عقيما ﴾ أي ويجعل بعض الرجال عقيما فلا يولد له، وبعض النساء عقيما فلا تلد قال البيضاوي: والمعنى يجعل أحوال العباد في الأولاد مختلفة، على مقتضى المشيئة، فيهب لبعض إما صنفا واحدا من ذكر أو أنثى، أو الصنفين جمعا، ويعقم آخرين، والمراد من الآية بيان نفاذ قدرته تعالى في الكائنات كيف يشاء، ولهذا قال ﴿ إنه عليم قدير ﴾ أي مبالغ في العلم والقدرة، يفعل ما فيه مصلحة وحكمة قال ابن كثير: جعل تعالى الناس أربعة أقسام: منهم من يعطيه البنات، ومنهم من يعطيه البنين، ومنهم من يعطيه النوعين الذكر والإناث، ومنهم من يمنعه هذا وهذا فيجعله عقيما لا نسل له ولا ولد، فسبحان العليم القدير.