ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين
[الحاقة: 44-46] وقال أبو السعود: والآية استشهاد على بطلان ما قالوا ببيان أنه عليه السلام لو افترى على الله تعالى لمنعه من ذلك قطعا، بالختم على قلبه بحيث لا يخطر بباله معنى من معانيه، ولم ينطق بحرف من حروفه ﴿ ويمح الله الباطل ﴾ أي يزيل الله الباطل بالكلية ﴿ ويحق الحق بكلماته ﴾ أي ويثبت الله الحق ويوضحه بكلامه المنزل، وقضائه المبرم وقال ابن كثير: بكلماته أي بحججه وبراهينه ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ أي عالم بما في القلوب، يعلم ما تكنه الضمائر، وتنطوي عليه السرائر وقال القرطبي: والمراد أنك لو حدثت نفسك أن تفتري الكذب لعلمه الله وطبع على قلبك ﴿ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ﴾ هذا امتنان من الرحمن على العباد أي هو جل وعلا بفضله وكرمه يتقبل التوبة من عباده، إذا أقلعوا عن المعاصي وأنابوا بصدق وإخلاص نية ﴿ ويعفوا عن السيئات ﴾ أي يصفح عن الذنوب صغيرها وكبيرها لمن يشاء ﴿ ويعلم ما تفعلون ﴾ أي يعلم جميع ما تصنعون من خير أو شر ﴿ ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ أي ويستجيب الله دعاء المؤمنين الصالحين قال الرازي: أي ويستجيب الله للمؤمنين إلا أنه حذف اللام كما حذف في قوله
وإذا كالوهم
[المطففين: 3] أي كالوا لهم ﴿ ويزيدهم من فضله ﴾ أي ويزيدهم من جوده وكرمه فوق ما سألوا واستحقوا لأنه الجواد الكريم، البر الرحيم ﴿ والكافرون لهم عذاب شديد ﴾ أي وأما الكافرون بالله فلهم العذاب الموجع الأليم في دار الجحيم ﴿ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ﴾ أي ولو وسع الله الرزق على عباده لطغوا وبغوا وأفسدوا في الأرض بالمعاصي والآثام، لأن الغنى يوجب الطغيان قال ابن كثير: أي لو أعطاهم فوق حاجتهم من الرزق، لحملهم ذلك على البغي والطغيان من بعضهم على بعض أشرا وبطرا، وقال قتادة: خير العيش ما لا يلهيك ولا يطغيك ﴿ ولكن ينزل بقدر ما يشآء ﴾ أي ولكنه تعالى ينزل أرزاق العباد بما تقتضيه الحكمة والمصلحة كما جاء في الحديث القدسي
" إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه "
﴿ إنه بعباده خبير بصير ﴾ أي عالم بأحوالهم وما يصلحهم، فيعطي ويمنع، ويبسط ويقبض، حسبما تقتضيه الحكمة الربانية ﴿ وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا ﴾ تعديد لنعمه على العباد أي هو تعالى الذي ينزل المطر، الذي يغيثهم من الجدب، من بعد ما يئسوا من نزوله ﴿ وينشر رحمته ﴾ أي ويبسط خيراته وبركاته على العباد ﴿ وهو الولي الحميد ﴾ أي وهو الولي الذي يتولى عباده، المحمود بكل لسان على ما أسدى من النعماء ﴿ ومن آياته خلق السموت والأرض ﴾ أي ومن دلائل قدرته، وعجائب حكمته، الدالة على وحدانيته، خلق السماوات والأرض بهذا الشكل البديع ﴿ وما بث فيهما من دآبة ﴾ أي وما نشر وفرق في السماوات والأرض من مخلوقات قال ابن كثير: وهذا يشمل الملائكة والإنس والجن، وسائر الحيوانات على اختلاف أشكالهم وألوانهم وأجناسهم وأنواعهم وقال مجاهد: هم الناس والملائكة ﴿ وهو على جمعهم إذا يشآء قدير ﴾ أي وهو تعالى قادر على جمع الخلائق للحشر والحساب والجزاء، في أي وقت شاء ﴿ ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ﴾ أي وما أصابكم أيها الناس مصيبة من المصائب في النفس أو المال فإنما هي بسبب معاصيكم التي اكتسبتموها قال الجلال: وعبر بالأيدي لأن أكثر الأفعال تزاول بها ﴿ ويعفوا عن كثير ﴾ أي ويصفح عن كثير من الذنوب فلا يعاقبكم عليها، ولو آخذكم بكل ما كسبتم لهلكتم وفي الحديث
" لا يصيب ابن آدم خدش عود، أو عثرة قدم، ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو عنه أكثر "