تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

40.23-46

المناسبة: لما ذكر تعالى ما حل بالكفار من العذاب والدمار، أردفه بذكر قصة موسى مع فرعون تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من الأذى والتكذيب، وبيانا لسنة الله تعالى في إهلاك الظالمين، ثم ذكر موقف مؤمن آل فرعون ونصيحته لقومه، وهي مواقف بطولية مشرفة في وجه الطغيان.

اللغة: ﴿ استحيوا ﴾ استبقوا بناتهم على قيد الحياة ﴿ ضلال ﴾ ضياع وبطلان ﴿ عذت ﴾ اعتصمت وتحصنت والتجأت ﴿ ظاهرين ﴾ غالبين مستعلين ﴿ بأس الله ﴾ عذابه وانتقامه ﴿ دأب ﴾ عادة وشأن ﴿ التناد ﴾ يوم القيامة للنداء فيه إلى المحشر، أو لمناداة الناس بعضهم بعضا قال أمية بن الصلت:

وبث الخلق فيها إذ دحاها

فهم سكانها حتى التناد

﴿ عاصم ﴾ مانع ودافع ﴿ صرحا ﴾ قصرا وبناء عظيما عاليا ﴿ تباب ﴾ خسران وهلاك ﴿ لا جرم ﴾ حقا ولا محالة ﴿ حاق ﴾ نزل وأحاط.

التفسير: ﴿ ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين ﴾ اللام موطئة للقسم أي والله لقد بعثنا رسولنا موسى بالآيات البينات، والدلائل الواضحات، وبالبرهان البين الظاهر وهو معجزة اليد والعصا ﴿ إلى فرعون وهامان وقارون ﴾ أي إلى فرعون الطاغية الجبار، ووزيره هامان، وقارون صاحب الكنوز والأموال قال في البحر: وخص قارون وهامان بالذكر لمكانتهما في الكفر، ولأنهما أشهر أتباع فرعون ﴿ فقالوا ساحر كذاب ﴾ أي فقالوا عن موسى إنه ساحر فيما أظهر من المعجزات، كذاب فيما ادعاه أنه من عند الله، وصيغة كذاب للمبالغة ﴿ فلما جآءهم بالحق من عندنا ﴾ أي فلما جاءهم بالمعجزات الباهرة التي تدل على صدقه، والتي أيده الله بها ﴿ قالوا اقتلوا أبنآء الذين آمنوا معه واستحيوا نسآءهم ﴾ أي اقتلوا الذكور لئلا يتناسلوا، واستبقوا الإناث للخدمة قال الصاوي: وهذا القتل غير الأول، لأن فرعون بعد ولادة موسى أمسك عن قتل الأولاد، فلما بعث موسى وعجز عن معارضته أعاد القتل في الأولاد ليمتنع الناس من الإيمان، ولئلا يكثر جمعهم فيكيدوه، فأرسل الله عليهم أنواع العذاب كالضفادع والقمل والدم والطوفان، إلى أن خرجوا من مصر فأغرقهم الله تعالى وجعل كيدهم في نحورهم ﴿ وما كيد الكافرين إلا في ضلال ﴾ أي وما تدبيرهم ومكرهم إلا في خسران وهلاك، لأن الله لا ينجح سعيهم ﴿ وقال فرعون ذروني أقتل موسى ﴾ أي قال فرعون الجبار: اتركوني حتى أقتل لكم موسى ﴿ وليدع ربه ﴾ أي وليناد ربه حتى يخلصه مني، وإنما ذكره على سبيل الاستهزاء وكأنه يقول: لا يهولنكم ما يذكر من ربه فإنه لا حقيقة له وأنا ربكم الأعلى، وغرضه أن يوهمهم بأنه إنما امتنع عن قتله رعاية لقلوب أصحابه قال أبو حيان: والظاهر أن فرعون لعنه الله كان قد استيقن أنه نبي، وأن ما جاء به آيات باهرة وما هو بسحر، ولكن الرجل كان فيه خبث وجبروت وكان قتالا سفاكا للدماء لأهون شيء، فكيف لا يقتل من أحس منه بأنه يثل عرشه ويهدم ملكه، ولكنه يخاف إن هم بقتله أن يعاجل بالهلاك، وكان كلامه للتمويه على قومه وإيهامهم أنهم هم الذين يكفونه، وما كان يكفه إلا شدة الخوف والفزع ﴿ إني أخاف أن يبدل دينكم ﴾ أي إني أخشى أن يغير ما أنتم عليه من عبادتكم لي إلى عبادة ربه ﴿ أو أن يظهر في الأرض الفساد ﴾ أي أو أن يثير الفتن والقلاقل في بلدكم، ويكون بسببه الهرج، وهذا كما قال المثل " صار فرعون واعظا " ﴿ وقال موسى إني عذت بربي وربكم ﴾ أي إني استجرت بالله واعتصمت به ليحفظني ﴿ من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ﴾ أي من شر كل جبار عنيد متكبر عن الإيمان بالله، لا يصدق بالآخرة قال في التسهيل: وإنما قال ﴿ من كل متكبر ﴾ ولم يذكره باسمه ليشمل فرعون وغيره، وليكون فيه وصف لغير فرعون بذلك الوصف القبيح ﴿ وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه ﴾ قال المفسرون: كان هذا الرجل ابن عم فرعون وكان قبطيا يخفي إيمانه عن فرعون، فلما سمع قول الجبار متوعدا موسى بالقتل نصحهم بقوله ﴿ أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ﴾ استفهام إنكاري للتبكيت عليهم أي أتقتلون رجلا لا ذنب له إلا لأجل أن قال: ربي الله من غير تفكر ولا تأمل في أمره؟ ﴿ وقد جآءكم بالبينات من ربكم ﴾ أي والحال أنه قد أتاكم بالمعجزات الظاهرة التي شاهدتموها من عند ربكم ﴿ وإن يك كاذبا فعليه كذبه ﴾ أي إن كان كاذبا في دعوى الرسالة فضرر كذبه لا يتعداه قال القرطبي: ولم يكن ذلك لشك منه في رسالته وصدقه، ولكن تلطفا في الاستكفاف، واستنزالا عن الأذى ﴿ وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم ﴾ أي وإن كان صادقا في دعواه أصابكم بعض ما وعدكم به من العذاب ﴿ إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ﴾ أي لا يوفق للهداية والإيمان من هو مسرف في الضلال، مبالغ في الكذب على الله قال الإمام الفخر: وفي هذا إشارة إلى رفع شأن موسى لأن الله هداه وأيده بالمعجزات، وتعريض بفرعون في أنه مسرف في عزمه على قتل موسى، كذاب في إقدامه على ادعاء الإلهية، والله لا يهدي من هذا شأنه وصفته، بل يبطله ويهدم أمره وقال في البحر: هذا نوع من أنواع علم البيان يسميه علماؤنا " استدراج المخاطب " وذلك أنه لما رأى فرعون قد عزم على قتل موسى، وقومه على تكذيبه، أراد الانتصار له بطريق يخفي عليهم بها أنه متعصب له، وأنه من أتباعه، فجاءهم بطريق النصح والملاطفة فقال ﴿ أتقتلون رجلا ﴾ ولم يذكر اسمه بل قال رجلا ليوهمهم أنه لا يعرفه، ثم قال ﴿ أن يقول ربي الله ﴾ ولم يقول رجلا مؤمنا بالله أو هو نبي الله، إذ لو قال ذلك لعلموا أنه متعصب ولم يقبلوا قوله، ثم أتبعه بقوله ﴿ وإن يك كاذبا ﴾ فقدم الكذب على الصدق موافقة لرأيهم فيه ثم تلاه بقوله ﴿ وإن يك صادقا ﴾ ولم يقل هو صادق وكذلك قال ﴿ يصبكم بعض الذي يعدكم ﴾ ولم يقل كل ما يعدكم ولو قال ذلك لعلموا أنه متعصب له، وأنه يزعم نبوته وأنه يصدقه، ثم أتبعه بكلام يفهم منه أنه ليس بمصدق له وهو قوله ﴿ إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ﴾ وفيه تعريض بفرعون، إذ هو في غاية الإسراف والكذب على الله، إذ ادعى الألوهية والربوبية ﴿ يقوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض ﴾ كرر النصح مع التلطف والمعنى: أنتم غالبون عالون بني إسرائيل في أرض مصر قد قهرتموهم واستعبدتموهم اليوم ﴿ فمن ينصرنا من بأس الله إن جآءنا ﴾ أي فمن ينقذنا من عذاب الله وينجينا منه إن قتلتم رسوله قال الرازي: وإنما قال ﴿ ينصرنا ﴾ و ﴿ جآءنا ﴾ لأنه كان يظهر لهم أنه منهم، وأن الذي ينصحهم به هو مشارك لهم فيه.

صفوة التفاسير · الصفحة ٦٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٦٠٢