40.67-85
المناسبة: لا تزال الآيات الكريمة تتحدث عن دلائل القدرة والوحدانية، فبعد أن ذكر تعالى دلائل القدرة في الآفاق أردفها بدلائل القدرة في الأنفس، ثم تحدث عن أحوال المشركين يوم القيامة، وختم السورة الكريمة بالوعيد والتهديد لأهل الكفر والضلال.
اللغة: ﴿ الأغلال ﴾ القيود جمع غل وهو القيد يجمع اليد إلى العنق ﴿ الحميم ﴾ الماء الحار البالغ نهاية الحرارة ﴿ يسجرون ﴾ توقد بهم النار يقال: سجر التنور أوقده ﴿ تمرحون ﴾ تبطرون وتأشرون ﴿ مثوى ﴾ مأوى ومكان إقامة، من ثوى بالمكان إذا أقام فيه ﴿ خلت ﴾ مضت.
التفسير: ﴿ هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ﴾ هذا بيان للأطوار التي مر بها خلق الإنسان أي هو جل وعلا بقدرته الذي أوجدكم أيها الناس من العدم، فخلق أصلكم آدم من تراب، ثم خلق ذريته من النطفة وهي المني، ثم من علقة وهي الدم الغليظ، إلى آخر تلك الأطوار ﴿ ثم يخرجكم طفلا ﴾ أي ثم بعد أن ينفصل الجنين من بطن الأم يكون طفلا ﴿ ثم لتبلغوا أشدكم ﴾ أي ثم لتبلغوا كمالكم في القوة والعقل، وهو سن الأربعين ﴿ ثم لتكونوا شيوخا ﴾ أي ثم لتصبحوا في سن الهرم والشيخوخة قال الإمام الفخر: رتب تعالى عمر الإنسان على ثلاث مراتب: الطفولة، وبلوغ الأشد، والشيخوخة، وهذا ترتيب مطابق للعقل، فإن الإنسان في أول عمره يكون في النماء والنشوء وهو المسمى بالطفولة، إلى أن يبلغ إلى كمال النشوء من غير أن يحصل له ضعف، وهذا بلوغ الأشد، ثم يبدأ بالتراجع ويبدأ فيه الضعف والنقص، وهذه مرتبة الشيخوخة ﴿ ومنكم من يتوفى من قبل ﴾ أي ومنكم من يتوفى قبل أن يخرج إلى العالم وهو السقط وقال مجاهد: من قبل سن الشيخوخة ﴿ ولتبلغوا أجلا مسمى ﴾ أي ولتصلوا إلى الزمان الذي حدد لكل شخص وهو الموت ﴿ ولعلكم تعقلون ﴾ أي ولكي تعقلوا دلائل قدرته تعالى وتؤمنوا بأنه الواحد الأحد ﴿ هو الذي يحيي ويميت ﴾ أي هو القادر جل وعلا على الإحياء والإماتة ﴿ فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ﴾ أي فإذا أراد أمرا من الأمور فلا يحتاج إلى تعب وعناء، وإنما يوجد فورا دون تأخير قال أبو السعود: وهذا تمثيل لكمال قدرته، وتصوير لسرعة وجودها من غير أن يكون هناك أمر ومأمور.. ثم عاد إلى ذم المجادلين في آيات الله بالباطل فقال ﴿ ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون ﴾ الاستفهام للتعجيب أي ألا ترى السامع وتعجب من حال هؤلاء المكابرين، الذين يجادلون في آيات الله الواضحة، كيف تصرف عقولهم عن الهدى إلى الضلال؟ ثم بينهم بقوله ﴿ الذين كذبوا بالكتاب وبمآ أرسلنا به رسلنا ﴾ أي الذين كذبوا بالقرآن، وبسائر الكتب والشرائع السماوية ﴿ فسوف يعلمون ﴾ وعيد وتهديد أي سوف يعلمون عاقبة تكذيبهم ﴿ إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل ﴾ أي حين يدخلون النار، وتربط أيديهم إلى أعناقهم بالأغلال والسلاسل ﴿ يسحبون * في الحميم ثم في النار يسجرون ﴾ أي يسحبون بتلك السلاسل في الماء الحار المسخن بنار جهنم، ثم يوقدون ويحرقون فيها قال ابن كثير: ومعنى الآية أن السلاسل متصلة بالأغلال وهي بأيدي الزبانية، يسحبونهم على وجوههم تارة إلى الحميم، وتارة إلى الجحيم كما قال تعالى
يطوفون بينها وبين حميم آن
[الرحمن: 44] ﴿ ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون * من دون الله ﴾ أي ثم قيل لهم تبكيتا: أين هم الأوثان والأصنام التي كنتم تعبدونها وتجعلونها شركاء لله؟ ﴿ قالوا ضلوا عنا ﴾ أي فيقولون: غابوا عن عيوننا فلا نراهم ولا نستشفع بهم ﴿ بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا ﴾ أي بل لم نكن نعبد شيئا قال المفسرون: جحدوا عبادتهم، وإنما فعلوا ذلك لحيرتهم واضطرابهم ﴿ كذلك يضل الله الكافرين ﴾ أي مثل إضلال هؤلاء المكذبين يضل الله كل كافر ﴿ ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق ﴾ أي ذلكم العذاب بما كنتم تظهرونه في الدنيا من السرور بالمعصية وكثرة المال وإنفاقه في المحرمات ﴿ وبما كنتم تمرحون ﴾ أي وبسبب بطركم وأشركم وخيلائكم قال الصاوي: وهذا وإن كان ذما في الكفار، إلا أنه يجر بذيله على كل من توسع في معاصي الله، فله من هذا الوعيد نصيب ﴿ ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها ﴾ أي ادخلوا من أبواب جهنم السبعة المقسومة لكم ماكثين فيها أبدا ﴿ فبئس مثوى المتكبرين ﴾ أي بئست جهنم مقرا وسكنا للمستكبرين عن آيات الله، المعرضين عن دلائل الإيمان والتوحيد، وإنما قال ﴿ مثوى المتكبرين ﴾ ولم يقل فبئس مدخل المكبرين وهو مقتضى النظم، لأن الدخول لا يدوم، وإنما يدوم المثوى ولذا خصه بالذم ﴿ فاصبر إن وعد الله حق ﴾ أي فاصبر يا محمد على تكذيب قومك لك، فإن وعد الله بتعذيبهم كائن لا محالة قال الصاوي: هذا تسلية من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ووعد حسن بالنصر له على أعدائه ﴿ فإما نرينك بعض الذي نعدهم ﴾ أي إن أريناك بعض الذي نعدهم من العذاب، وجواب الشرط محذوف تقديره فذلك هو المطلوب، أو لتقر به عينك ﴿ أو نتوفينك فإلينا يرجعون ﴾ أي أو نتوفينك يا محمد قبل إنزال العذاب عليهم، فإلينا مرجعهم يوم القيامة فننتقم منهم أشد الانتقام، ثم أخبره تعالى بأنباء الرسل تسلية له عليه السلام فقال ﴿ ولقد أرسلنا رسلا من قبلك ﴾ أي والله لقد بعثنا يا محمد رسلا كثيرين قبلك، وأيدناهم بالمعجزات الباهرة فجادلهم قومهم وكذبوهم فتأس بهم في الصبر على ما ينالك قال القرطبي: عزاه تعالى بما لقيت الرسل من قبله ﴿ منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك ﴾ أي من هؤلاء الرسل من أخبرناك عن قصصهم مع قومهم، ومنهم من لم نخبرك عن قصصهم وأخبارهم ﴿ وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ﴾ أي وما صح ولا استقام لرسول من الرسل أن يأتي قومه بشيء من المعجزات إلا بأمر الله، وهذا رد على قريش حيث قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم اجعل لنا الصفا ذهبا وغير ذلك من مقترحاتهم ﴿ فإذا جآء أمر الله قضي بالحق ﴾ أي فإذا جاء الوقت المسمى لعذابهم أهلكهم الله ﴿ وخسر هنالك المبطلون ﴾ أي خسر في ذلك الحين المعاندون الذين يجادلون في آيات الله، ويقترحون المعجزات على سبيل التعنت، ثم ذكرهم تعالى بعمه فقال ﴿ الله الذي جعل لكم الأنعام ﴾ أي الله جل وعلا الذي لا تصلح الألوهية إلا له، هو الذي سخر لكم هذه الأنعام " الإبل والبقر والغنم " وخلقها لكم ولمصلحتكم ﴿ لتركبوا منها ومنها تأكلون ﴾ أي لتركبوا على ظهور بعض هذه الحيوانات، وتأكلوا من لحومها وألبانها، ﴿ ولكم فيها منافع ﴾ أي ولكم في هذه الأنعام منافع عديدة في الوبر والصوف والشعر، واللبن والزبد والسمن ﴿ ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم ﴾ أي بحمل الأثقال في الأسفار البعيدة ﴿ وعليها وعلى الفلك تحملون ﴾ أي وعلى هذه الإبل في البر، وعلى السفن في البحر تحملون، وإنما قرن بين الإبل والسفن لما بينهما من شدة المناسبة حتى سميت الإبل سفن البر ﴿ ويريكم آياته ﴾ أي ويريكم أيها الناس حججه وأدلته على وحدانيته في الآفاق والأنفس ﴿ فأي آيات الله تنكرون ﴾ توبيخ لهم على إنكارهم لوحدانيته مع ظهور آياته الكثيرة والمعنى أي آية من تلك الآيات الباهرة والدلائل الكثيرة الساطعة تنكرون مع وضوحها وجلائها وكثرتها؟ فإن هذه الدلائل لظهورها لا تقبل الإنكار ﴿ أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ﴾ الاستفهام إنكاري أي أفلم يسر هؤلاء المشركون في أطراف الأرض ليعرفوا عاقبة المتكبرين المتمردين، وآثار الأمم السالفة قبلهم، ماذا حل بهم من العذاب والدمار بسبب كفرهم وتكذيبهم؟ ﴿ كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض ﴾ أي كانوا أكثر عددا من أهل مكة، وأقوى منهم قوة، وآثارهم لا تزال باقية بعدهم من الأبنية والقصور والمباني الضخمة ﴿ فمآ أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ﴾ أي فلم ينفعهم ما كانوا يكسبونه من الأبنية والأموال شيئا، ولا دفع عنهم العذاب ﴿ فلما جآءتهم رسلهم بالبينات ﴾ أي فلما جاءتهم الرسل بالمعجزات الظاهرات، والآيات الواضحات ﴿ فرحوا بما عندهم من العلم ﴾ أي فرح الكفار بما هم عليه من العلم الدنيوي، الخالي عن نور الهداية والوحي، فرح بطر وأشر، وأغتروا بذلك العلم ﴿ وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ﴾ أي نزل بهم جزاء كفرهم واستهزائهم بالرسل والآيات ﴿ فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ﴾ أي فلما رأوا شدة العذاب وعاينوا أهواله وشدائده قالوا آمنا بالله الواحد الأحد ﴿ وكفرنا بما كنا به مشركين ﴾ أي كفرنا بالأصنام والأوثان التي أشركناها في العبادة مع الله ﴿ فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ﴾ أي فلم يكن ينفعهم ذلك الإيمان حين شاهدوا العذاب لأنه إيمان عن قسر وإلجاء ﴿ سنت الله التي قد خلت في عباده ﴾ أي سن الله ذلك سنة ماضية في العباد، أنه لا ينفع الإيمان إذا رأوا العذاب ﴿ وخسر هنالك الكافرون ﴾ أي وخسر في ذلك الوقت الكافرون بربهم، الجاحدون لتوحيد خالقهم.