. ثم فصل تعالى مآل كل من الأشقياء والسعداء فقال ﴿ وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا ﴾ أي وسيق الكفرة المجرمون إلى نار جهنم جماعات جماعات، كما يساق الأشقياء في الدنيا إلى السجون ﴿ حتى إذا جآءوها فتحت أبوابها ﴾ أي حتى إذا وصلوا إليها فتحت أبواب جهنم فجأة لتستقبلهم ﴿ وقال لهم خزنتهآ ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم ﴾؟ أي وقال لهم خزنة جهنم تقريعا وتوبيخا: ألم يأتكم رسل من البشر يتلون عليكم الكتب المنزلة من السماء؟ ﴿ وينذرونكم لقآء يومكم هذا ﴾؟ أي ويخوفونكم من شر هذا اليوم العصيب؟ ﴿ قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين ﴾ أي قالوا بلى قد جاءونا وأنذرونا، وأقاموا علينا الحجج والبراهين، ولكننا كذبناهم وخالفناهم لما سبق لنا من الشقاوة قال القرطبي: وهذا اعتراف منهم بقيام الحجة عليهم، والمراد بكلمة العذاب قوله تعالى
لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين
[هود: 119] ﴿ قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها ﴾ أي قيل لهم ادخلوا جهنم لتصلوا سعيرها ماكثين فيها أبدا، بلا زوال ولا انتقال ﴿ فبئس مثوى المتكبرين ﴾ أي فبئس المقام والمأوى جهنم للمتكبرين عن الإيمان بالله وتصديق رسله ﴿ وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا ﴾ أي وسيق الأبرار المتقون لله إلى الجنة جماعات جماعات راكبين على النجائب قال القرطبي: سوق أهل النار طردهم إليها بالخزي والهوان، كما يفعل بالمجرمين الخارجين على السلطان، وسوق أهل الجنان سوق مراكبهم إلى دار الكرامة والرضوان، لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين، كما يفعل بالوافدين على الملوك، فشتان ما بين السوقين ﴿ حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها ﴾ أي حتى إذا جاءوها وقد فتحت أبوابها كقوله تعالى
جنات عدن مفتحة لهم الأبواب
[ص: 50] قال الصاوي: والحكمة في زيادة الواو هنا " وفتحت " دون التي قبلها، أن أبواب السجون تكون مغلقة إلى أن يجيئها أصحاب الجرائم، فتفتح لهم ثم تغلق عليهم، بخلاف أبواب السرور والفرح فإنها تفتح انتظارا لمن يدخلها فناسب دخول الواو هنا دون التي قبلها ﴿ وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ﴾ أي وقال لهم حراس الجنة: سلام عليكم أيها المتقون الأبرار ﴿ طبتم ﴾ أي طهرتم من دنس المعاصي والذنوب، فادخلوا الجنة دار الخلود، قال البيضاوي: وجواب " إذا " محذوف، للدلالة على أن لهم من الكرامة والتعظيم، ما لا يحيط به الوصف والبيان قال ابن كثير: وتقديره إذا كان هذا سعدوا، وطابوا، وسروا وفرحوا بقدر ما يكون لهم من النعيم ﴿ وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ﴾ أي وقالوا عند دخولهم الجنة واستقرارهم فيها: الحمد لله الذي حقق لنا ما وعدنا به من دخول الجنة قال المفسرون: والإشارة إلى وعده تعالى لهم بقوله
تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا
[مريم: 63] ﴿ وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشآء ﴾ أي وملكنا أرض الجنة نتصرف فيها تصرف المالك في ملكه وننزل فيها حيث نشاء، ولا ينازعنا فيها أحد ﴿ فنعم أجر العاملين ﴾ أي فنعم أجر العاملين بطاعة الله الجنة ﴿ وترى الملائكة حآفين من حول العرش ﴾ أي وترى يا محمد الملائكة محيطين بعرش الرحمن، محدقين به من كل جانب ﴿ يسبحون بحمد ربهم ﴾ أي يسبحون الله ويمجدونه تلذذا لا تعبدا ﴿ وقضي بينهم بالحق ﴾ أي وقضي بين العباد بالعدل ﴿ وقيل الحمد لله رب العالمين ﴾ أي وقيل الحمد لله على عدله وقضائه قال المفسرون: القائل هم المؤمنون والكافرون، المؤمنون يحمدون الله على فضله، والكافرون يحمدونه على عدله قال ابن كثير: نطق الكون أجمعه، ناطقه وبهيمه، لله رب العالمين بالحمد في حكمه وعدله، ولهذا لم يسند القول إلى قائل، بل أطلقه فدل على أن جميع المخلوقات شهدت له بالحمد.