تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في مقعد صدق عند مليك مقتدر

[القمر: 55] ثم عاد إلى دلائل الألوهية والتوحيد، بعد أن أفاض في الوعد والوعيد فقال ﴿ الله خالق كل شيء ﴾ أي الله جل وعلا خالق جميع الأشياء وموجد جميع المخلوقات، والمتصرف فيها كيف يشاء، لا إله غيره ولا رب سواه ﴿ وهو على كل شيء وكيل ﴾ أي هو القائم بتدبير كل شيء ﴿ له مقاليد السموت والأرض ﴾ أي بيده جل وعلا مفاتيح خزائن كل الأشياء، لا يملك أمرها ولا يتصرف فيها غيره قال ابن عباس: " مقاليد " مفاتيح، وقال السدي: خزائن السماوات والأرض بيده ﴿ والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون ﴾ أي والذين كذبوا بآيات القرآن الظاهرة، والمعجزات الباهرة، أولئك هم الخاسرون أشد الخسران ﴿ قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ﴾؟ أي قل يا محمد أتأمرونني أن أعبد غير الله بعد سطوع الآيات والدلائل على وحدانيته يا أيها الجاهلون؟ قال ابن كثير: إن المشركين من جهلهم دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبادة آلهتهم، ويعبدوا معه إلهه فنزلت الآية ﴿ ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك ﴾ اللام موطئة للقسم أي والله لقد أوحي إليك وإلى الأنبياء قبلك ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك ﴾ أي لئن أشركت يا محمد ليبطلن ويفسدن عملك الصالح ﴿ ولتكونن من الخاسرين ﴾ أي ولتكونن في الآخرة من جملة الخاسرين بسبب ذلك.

. وهذا على سبيل الفرض والتقدير، وإلا فالرسول صلى الله عليه وسلم قد عصمه الله، وحاشا له أن يشرك بالله، وهو الذي جاء لإقامة صرح الإيمان والتوحيد قال أبو السعود: والكلام وارد على طريقة الفرض لتهييج الرسل، وإقناط الكفرة، والإيذان بغاية شناعة الإشراك وقبحه ﴿ بل الله فاعبد ﴾ أي أخلص العبادة لله وحده، ولا تعبد أحدا سواه. ﴿ وكن من الشاكرين ﴾ أي وكن من الشاكرين لإنعام ربك ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ أي وما عرفوا الله حق معرفته، ولا عظموه حق تعظيمه قال أبو حيان: أي ما عظموه حق تعظيمه، وما قدروه في أنفسهم حق تقديره، إذ أشركوا معه غيره، وساووا بينه وبين الحجر والخشب في العبادة.. ثم نبههم على عظمته وجلالة شأنه فقال ﴿ والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ﴾ الجملة حالية والمعنى ما عظموه حق تعظيمه والحال أنه موصوف بهذه القدرة الباهرة، التي هي غاية العظمة والجلال، فالأرض مع سعتها وبسطتها يوم القيامة تحت قبضته وسلطانه ﴿ والسموت مطويات بيمينه ﴾ أي والسماوات مضمومات ومجموعات بقدرته تعالى قال الزمخشري: والغرض من هذا الكلام تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله لا غير، من غير ذهاب بالقبضة واليمين إلى جهة وفي الحديث

" يقبض الله تعالى الأرض ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟ "

﴿ سبحانه وتعالى عما يشركون ﴾ أي تنزه الله وتقدس عما يصفه به المشركون من صفات العجز والنقص، ثم ذكر تعالى أهوال الآخرة فقال ﴿ ونفخ في الصور ﴾ هو قرن ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام بأمر الله، والمراد بالنفخة هنا " نفخة الصعق " التي تكون بعد نفخة الفزع قال ابن كثير: وهي النفخة الثانية التي يموت بها الأحياء من أهل السماوات والأرض ﴿ فصعق من في السموت ومن في الأرض ﴾ أي فخر ميتا كل من في السماوات والأرض ﴿ إلا من شآء الله ﴾ أي إلا من شاء الله بقاءه كحملة العرش، والحور العين والولدان ﴿ ثم نفخ فيه أخرى ﴾ أي نفخ فيه نفخة أخرى وهي نفخة الإحياء ﴿ فإذا هم قيام ينظرون ﴾ أي فإذا جميع الخلائق الأموات يقومون من القبور ينظرون ماذا يؤمرون ﴿ وأشرقت الأرض بنور ربها ﴾ أي وأضاءت أرض المحشر بنور الله يوم القيامة، حين تجلى الباري جل وعلا لفصل القضاء بين العباد ﴿ ووضع الكتاب ﴾ أي أحضرت صحائف أعمال الخلائق للحساب ﴿ وجيء بالنبيين والشهدآء ﴾ أي وجيء بالأنبياء ليسألهم رب العزة عما أجابتهم به أممهم، وبالشهداء وهم الحفظة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم، وقال السدي: هم الذين استشهدوا في سبيل الله ﴿ وقضي بينهم بالحق ﴾ أي وقضي بين العباد جميعا بالقسط والعدل ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ أي وهم في الآخرة لا يظلمون شيئا من أعمالهم، لا بنقص ثواب، ولا بزيادة عقاب قال ابن جبير: لا ينقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم ﴿ ووفيت كل نفس ما عملت ﴾ أي جوزي كل إنسان بما عمل من خير أو شر ﴿ وهو أعلم بما يفعلون ﴾ أي هو تعالى أعلم بما عمل كل إنسان، ولا حاجة به إلى كتاب ولا إلى شاهد، ومع ذلك تشهد الكتب إلزاما للحجة.

صفوة التفاسير · الصفحة ٥٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٥٩٦